تدوين التدوين

قراءة وتأملات في واقع التدوين والحياة الافتراضية

Archive for the ‘التدوين والنقد’ Category

أثر التدوين العربي في محيطه

أضف تعليق »

قد يكون من السابق لأوانه أن نتحدث عن أثر التدوين العربي في محيطه العام، وهو لم يتجاوز بعد حدود التجريب الأولى؛ فالتدوين الافتراضي مثله مثل بقية الأجناس الفكرية والأدبية الأخرى يحتاج إلى مراحل تطورية مفصلية متباعدة في الزمان والمكان لتكون نتائجه وآثاره صالحة للمقارنة والاستنتاج، ولإصدار أحكام ثابتة معقولة ومقبولة.

ومع ذلك، فإن أول ما يمكن أن يثيرنا في حركة التدوين العربي هو هذه الكثرة الهائلة من المدونات العربية التي تكدست على بعضها البعض في مدة زمنية قياسية قد تستعصي معها كل المحاولات الفردية للتتبع والإحصاء الشامل قبل التخير والفرز.

وتكاد هذه الحركة أن تغطي عالمنا العربي كله من خليجه إلى محيطه بنسب متفاوتة تبعا لما توفره كل دولة عربية لرعاياها من خطوط الإمداد والصبيب الافتراضيين اللذين تتحكم فيهما وزاراتنا الوصية على شأن الاتصال والداخلية. ولا شك أن تلك الوزاة الأم هي الوحيدة التي تستطيع أن تحصي أعداد المدونات وتعرف أسماءها وعناوين نطاقاتها تماما كما تعرف الحالة المدنية الكاملة لكل فرد يعيش داخل حدودها الجغرافية شبرا بشبر وذراعا بذراع، أو ليست المواطنة الافتراضية كالمواطنة الجغرافية؟، فأين المفر من أم الوزارات إذن؟

وهذه الكثرة الهائلة من المدونات العربية إن دلت على شيء فإنما تدل على الرغبة الدفينة في نفس كل مواطن عربي لتجريب إمكانية البوح الافتراضي عندما لا تسعفه وسائل البوح العلني. فكل مدونة هي في ذاتها وصفاتها شكل من أشكال الصراخ العربي المبحوح إن صح لنا هذا التعبير.
ولكن، من ينصت إلى هذا الصراخ أو النداء التدويني، وما نصيب كل مدونة من حصص الإنصات والزيارات؟ فواقع التدوين العربي لا يعكس حالة تطابق كاملة صحيحة بين المعروض والمطلوب، بين المدونات التي تعرف حالات إقبال غريبة وبين أخرى تعرف حالات إعراض غريبة أيضا، بين المدونات التي تعرف إخفاقا مجحفا وبين أخرى تعرف نجاحا غير مستحق. وكأن مجال التداول الافتراضي العربي لا تقاس فيه قيمة المدونات بمضمونها الإيجابي الفعال المؤثر في العقل أو الوجدان وإنما فقط بحصتها المرتفعة من عدد الزيارات والتعليقات.

وشيء طبيعي أن يعلق كل مدون آماله على حركة الزوار العابرين أو المداومين، ولذلك فإن عينه أول ما تتجه عند فتح مدونته فإنما تتجه صوب عدادها الظاهر أو الخفي؛ وكأن مؤشر العداد هو الذي يضبط إيقاع المدون النفسي والعقلي المتحكم في نشاطه التدويني ارتفاعا أو هبوطا حرارة أو فتورا.
وكل مدون، وحتى في الحالات التي يكتب فيها عن نفسه وأحواله وأسراره، فإنما مقصوده الأول الذي يدون لأجله هو القارئ الافتراضي المحتمل، وإلا فما الجدوى من إعلان مدونته على الملأ؟.

إن الأثر القريب المباشر الذي نستنتجه من حركة التدوين العربي منذ لحظة انطلاقتها الأولى حتى الآن هو في هذه الحركة الذاتية الخفية المتحكمة في عمل المدونين، أو لنقل في هذا الصراع النفسي الذي يعتمل في دواخلهم لتطوير أدائهم وتنمية مهاراتهم في التدوين شكلا ومضمونا؛
وأنا شخصيا ورغم مرور ثلاث سنوات تقريبا على إنشاء هذه المدونة التي أسميتها (كلمات عابرة) لا يمكن أن اعد نفسي مدونا محترفا لأنني أكتشف في كل يوم طريقة جديدة لتغيير مساري في التدوين شكلا ومضمونا.
وعليه، فأنا في كل يوم افتراضي جديد مدون آخر جديد؛ وأنا في هذه اللحظة التي أكتب فيها هذا الإدراج لا أستطيع أن أتذكر جلد مدونتي الأول، ولا سحنتها الأولى التي طلعت بها على الزوار الكرام أول مرة لحظة ولادتها الأولى العسيرة في محضن موقع (مكتوب) يوم الرابع عشر من ديسمبر كانون الأول عام 2005. ففي تلك اللحظة كان صبيب الإنترنت ببلادنا قليلا، وكانت الأجهزة الرقمية المتوفرة حينها تعمل بكفاءة متواضعة جدا عما هو عليه الحال الآن..

ولكنني، مع كل ذلك، لا أستطيع أن أنكر على نفسي على الأقل كل تلك الانفعالات الايجابية التي عشتها خلال هذه الرحلة الافتراضية السابقة على الصعيدين الفكري والوجداني مما لا يستطيع أن يستوعبه إحساس الزائر الكريم إلا بالمعايشة الحميمية للوحة المفاتيح الرقمية وأزرارها السحرية، تلك الأزرار التي نستطيع أن نخلق بها عوالم غير العوالم وأشكالا غير الأشكال…وتلك هي البوادر الأولى لأثر التدوين عندما تبدأ من المدون نفسه قبل أن تنتقل إلى محيطه.

Written by عبد اللطيف المصدق

نوفمبر 23, 2008 في 11:04 ص

مُجمَّعات التدوين العربية

أضف تعليق »

مُجمَّعات التدوين الافتراضية ككتب الفهارس الورقية؛ فإذا كانت غاية الفهارس الورقية حصر أسماء المؤلفين واستقصاء عناوين الكتب التي كانت تظهر في كل عصر، من قبيل كتاب(الفهرست) لابن النديم (القرن: 4 هج) أو الكتاب الضخم (كشف الظنون..) لحاجي خليفة (القرن: 11هج) المشهورين في تراثنا التأليفي بحمع شتات الكتب العربية المصنفة قديما فإن مجمعات التدوين الافتراضية تسعى لنفس الغاية وهي التعريف بأكبر قدر ممكن من المدونات؛ من جهة التعريف بأسماء المدونين وعناوين مدوناتهم، ومن جهة الروابط الإلكترونية الرئيسية والفرعية التي تقود إليها، ومن جهة أنظمة الخلاصات التي تعطي القارئ أو الزائر نبذة عن مواصفاتها ومحتوياتها وجديد إدراجاتها.

وقد تعددت المواقع التي تقدم خدمة التعريف بالمدونات وفهرستها في كل بلدان العالم لامتلاء بيئة التدوين الافتراضي على الشبكة العنكبوتية بعدد لا يعد ولا يحصى من المدونين والمدونات مما يحتاج معه الأمر إلى جمع وتوضيب وترتيب.
ومجموع المدونات التي يتم حصرها في هذا الموقع أو ذاك هو الذي يمكن أن يحدد لنا في نهاية المطاف الفضاء التدويني (blogosphère) لمدينة ما أو لبلد ما أو لمجموعة بشرية ما أو لمجموعة لغوية ما.
وهكذا يمكن مثلا أن نتحدث في هذا الصدد عن مجمع مدونات المغرب أو مجمع مدونات البلدان المغاربية أو مجمع مدوني البلدان العربية، أو مجمع المدونين بلهجة ما أو بلغة ما في هذه الجهة أو تلك، أو حتى عن مجموع مجمعات تدوينية دفعة واحدة.

وقد كان المدونون أنفسهم هم أول من حاول جمع شتات زملائهم المدونين في نطاق واحد قبل أن تنتبه إلى ذلك المواقع المختصة بالفهرسة. وفي هذا الصدد لا بد من الإشادة بمجهود الأخ العربي الذي كان من أول المدونين المغاربة القدامى الذين وضعوا الخطاطة الأولى ل(البلوغوما) المغربية في نسختيها الفرنسية والعربية قبل أن تكثر مجمعات التدوين العربية الأخرى كثرة هائلة.

ولكل مجمع من مجمعات التدوين العربي شروطه الخاصة لقبول هذه المدونة أو لهذا الموقع في لوائحه وقوائمه، وذلك حسب التوجهات الفكرية أو السياسية أو الفنية أوالميول الشخصية أو طبيعة العلاقات التي تربط ذلك المجمع بنوع معين من المدونين.
وأنا هنا لست ضد وضع الشروط لترشيح مدونة ما في هذا المجمع التدويني أو ذاك إذا كان المنطلق ديموقراطيا وإذا كان الهدف نبيلا يسعى للرقي بقيمة التدوين العربي وتمييز جيده من رديئه، ولكنني ضد المجمعات التدوينية التي تضع شروطا مجحفة لجعل مجال التدوين العربي حكرا على بعض الأسماء دون بعض.

وجميل أيضا أن يكون فهرس بعض المجاميع العربية شاملا مفتوحا للجميع من غير قيد أو شرط، غير أن هذه الشمولية إذا لم تكن منظمة فإنها تصبح فوضى؛ وحبذا لو وزعت فهارسها إلى قوائم متمايزة مستقلة؛ فتكون هناك قائمة خاصة بالمدونات التقنية وأخرى خاصة بالمدونات الأكاديمية وأخرى بالمدونات السياسية وأخرى بالمدونات الترفيهية وهكذا دواليك، أو على الأقل أن يكون ترتيبها أبجديا كما هو حال الفهارس الورقية..
وحتى المواقع المستضيفة للتدوين تحرص على وضع فهرسة نموذجية خاصة بها، ولكنها فهرسة بعيدة عن الموضوعية لأنها في الغالب لا تخرج عن مجال الدعاية إما لأكثر المدونات انتشارا أو لأكثرها تعليقا لديها، مما يفسح المجال لأشكال مختلفة من التحايل والغش من قبل بعض المدونين المتسلقين الذين لا هم لهم إلا تصدر تلك الواجهة الدعائية لأطول فترة ممكنة.

ولكي يأخذ التدوين العربي مساره الصحيح ينبغي أن يكون الوعي بقيمة التدوين كحركة تقنية وفكرية ملائمة للتعبير عن روح العصر الجديد شعورا مشتركا بين المدون من جهة أولى وبين مواقع الاستضافة من جهة ثانية، وبين مجمعات التدوين من جهة ثالثة.
فإذا كانت الرؤية مشتركة والأهداف واحدة بين هذه العناصر الثلاثة بعيدا عن كل مصلحة ذاتية ضيقة أمكن الحديث عن بيئة تدوينية عربية جديرة بالاحترام والمصداقية.

Written by عبد اللطيف المصدق

أكتوبر 31, 2008 في 2:15 م

محاضن التدوين العربي؛ (الورقة الأولى)

أضف تعليق »

لم يكن بوسع التدوين العربي أن يأخذ حظه الكامل والوافي من الانتشار في بحر الإنترنت المتقلب في مده وجزره لولا محاضن التدوين الكثيرة.
ولفظة (المحاضن) تتضمن إشارة مرجعية إلى الخـُم الطبيعي أو بيوت الدجاج الطينية أو الإسمنتية أو البلاستيكية أو الاصطناعية الحرارية حيث يتم تفريخ وتكثير الكتاكيت بالجملة حتى تكبر وتصبح جاهزة للذبح والاستهلاك العمومي داخل البيوت أو في المطاعم.

فبين محضن الدجاج ومحضن التدوين علاقة مشابهة ومماثلة على هذا الأساس فقط أي: أساس وظيفة التوليد والتكثير، ولا ينبغي أن يذهب ظن أحد القراء الأعزاء بعيدا فيتوهم أني أشبه المدونين العرب بسلالة الدجاج التي قد لا تملك من أمرها شيئا غير الصراخ والقوقأة. وإن كان هناك من بعض أشباه المدونين من إذا وزن حِلمُه رجح عليه عقل أصغر كتكوت منسجم مع شكله ووزنه ومع عادات وتصرفات سربه الغريزية التي أودعها الله فيه منذ النشأة الأولى التي لا يعلم مـُبتدأها البعيد غيره عز وجل….

وإن نظرة سريعة على بعض محاضن التدوين العربي الشهيرة ك (مكتوب) أو(جيران) أو(مدونتي) بالإضافة إلى محاضن التدوين الغربية التي تدعم اللغة العربية ك (ورد بريس) أو (البلوغر) أو (بلوغ سبيريت)… وغيرها كثير تعطينا إشارات قوية على ارتفاع مهول في عدد المدونين المنتسبين إليها بالجملة والتقسيط.

ومن يتأمل هذا الحشد الهائل من المدونين العرب المنتسبين إلى هذا المحضن أو ذاك يخيل إليه أن موسم الهجرة العربية إلى عوالم التدوين قد بلغ الغاية والنهاية التي لا مزيد عليها، وإن كان منطق عمل البيئة الافتراضية يأبى إلا أن يسع الجميع..

إن درجة الامتلاء الافتراضي العالية التي أصبحت عليها محاضن التدوين العربي إلى حدود يوم كتابة هذه السطور تشبه حقينة سد عال بلغت حدا معقولا من الامتلاء والارتواء. وهي تتيح للباحث والمتتبع لظاهرة التدوين العربي مادة غزيرة للبحث والمقارنة، ولدراسة النماذج البشرية ولأنماط السلوك، ولطرق الاشتغال المختلفة التي تتحكم في عقل كل مدون عربي على حدة، وذلك عندما يفكر أو يكتب أو يعبر بكلمة أو بصورة ثابتة أو متحركة أو حتى بأيقونة..

وبعض قدماء المدونين العرب المنتسبين الذين التحقوا بمحاضن التدوين على مكتوب أو جيران بقوا أوفياء ملتزمين ومتمسكين بمواقعهم الأولى التي احتلوها في هذا المحضن أو ذاك، ولا زالوا إلى حدود هذه الساعة يواظبون على إرسال جديد إدراجاتهم دون انقطاع.
وأنا واحد من هؤلاء؛ فقد مضى على التحاقي بمحضن (مكتوب) ما يناهز ثلاث سنوات، ولم تراودني في أي يوم من الأيام فكرة حجز أو استئجار نطاق خاص بي مع أن كثيرا من الزملاء أشاروا علي بترك التدوين المنتسب والاستقلال بموقع شخصي مستقل عن ضغوط التدوين المنتسب وإكراهاته.

إن التدوين المنتسب أشبه ما يكون بالسكن في الحارة والحومة ففيه من الألفة، وفيه من المودة، وفيه من لذيذ العيش المشترك ما لا يشوش عليه إلا الزعران والأوباش بحركاتهم الطائشة عندما يتحرشون بغيرهم من الناس عبر المعاكسات والتعليقات البذيئة…

وقد يشعر بعض المدونين المنتسبين الأصلاء أن جهودهم الطيبة في التدوين يمكن أن تضيع، كما يمكن أن تضيع أصواتهم في موجة الازدحام العام في سوق عمومي أو في ملعب كبير لكرة القدم غاص بالمتفرجين المتعصبين لهذا الفريق أو ذاك فهم يصرخون في كل اتجاه، وأنه مهما كان مبلغ هؤلاء المدونين من الإبداع في حقل التدوين الجاد فإن الفضل الأول يبقى للدار الافتراضية المستضيفة أو للموقع المحتضن.
وفي هذا ما فيه من الإجحاف بالحقوق المادية والمعنوية لفئة من المدونين الجادين المقاومين لدوائر العزلة العصيبة في صمت؛ فقد جرت العادة أن تتنصل المواقع المحتضنة من كل التزاماتها القانونية والأخلاقية تجاه المدونين، كما تنص على ذلك عبارة إبراء الذمة الموجودة أسفل كل مدونة منتسبة، وكأنهم مخلوقات هلامية لا تقدم ولا تؤخر شيئا في حركة الحياة، أو كائنات بشرية من الدرجة الثانية لم تبلغ سن الرشد، رغم أنهم يسجنون ويقبض عليهم كغبرهم من البالغين ومن الكتاب والصحافيين والفنانين ذوي الرأي المعارض الذين يشار إليهم بالبنان، أو ممن يسبحون ضد التيار؛ فكم من مدونة قد حجبت، وكم من مدونة قد شطبت وأصبحت أثرا بعد عين، وأخرى قد أغلقت بشمع السلطة الأحمر حتى إشعار آخر. فأي تناقض أغرب من هذا عندما تـُمنع لكي لا تـُعطى، وعندما تـُعطي لا يـُعترف لك بذلك، ولا تنال الحد الأدنى من المقابل المحفز، أو من خميرة العطاء المتواصل..!!

إن مفهوم كلمة (مدون) لازال غامضا وملتبسا ولا نعثر له على تعريف دقيق بخلاف كلمة (مدونة) مثلا، ولم تمتلك كلمة مدون بَعدُ بُعْدها القوي الفعلي في نفس المدون وفي محيطه كما هو الحال بالنسبة لكلمة كاتب أو روائي أو شاعر أو صحافي أو فنان أو ما شئت من الأسماء والألقاب والنعوت الإيجابية المعترفة بفضل صاحبها وأثره ؛ أثر يكون له وقع مادي ومعنوي ممتد في حياة صاحبه وحتى بعد مماته. فماذا يكسب معظم المدونين من تدوينهم غير حرق الأعصاب وإهدار الجهد في التفكير والتعبير والتنسيق؟!!.

وأنا أستثني ثلة من المدونين التقنيين المحترفين الذين يعرفون من أين يؤكل لحم الكتف ليربحوا ويغنموا من نشاطهم التدويني التقني في الغالب؛ وذلك عبر ربط علاقات شراكة نفعية مع شركات ومواقع يكون لهم منها كثير من الربح المعنوي ومن الشهرة في أوساط المدونين والقراء والزوار العابرين بمواقعهم ومدوناتهم، وقليل من الريع المادي العائد مقابل خدماتهم التقنية في التصميم والبرمجة والدعاية التسويقية.

ومع كل هذا وذاك، أدرك وأعي تماما أن قيمة المدون الحقيقي تكمن فيما يتقنه أو يحسنه في هذا الفن التدويني أو ذاك، سواء في مدونة مستقلة أو في مدونة منتسبة.

Written by عبد اللطيف المصدق

أكتوبر 24, 2008 في 2:10 م

التدوين كأفق جديد للتنفيس وإثبات الوجود…!!

أضف تعليق »

كتب يوم الثلاثاء,تموز 01, 2008

ليس الواقع الافتراضي إلا نسخة ثانية حديثة لواقع إنساني حقيقي راسخ على الأرض رغم إنكار المنكرين وجحود الجاحدين الذين لازال بعضهم يتوجس خيفة من محتوى ومضمون العوالم الافتراضية إلى درجة قد تجعله أحيانا لا يطيق الاقتراب من الحواسيب الإلكترونية التي تعتبر لوحة المفاتيح منها بمثابة منصة التحكم والقيادة في حركة السيارة عند الانعطاف أو المناورة، كما أوضحنا ذلك في إدراج قديم تحت عنوان الجَفْوَةُ الرقمية .

وعليه فإن العوالم الافتراضية، وإن كان موقعها في الأثير المعلق بين السماء والأرض، فهي ليست معزولة عن الأرض كما قد يتوهم البعض؛ فكل ما في العوالم الافتراضية من مواقع ومدونات ومنتديات يعمل في الحققية تبعا لحركة أصحابها في حياتهم الخاصة المتقلبة بين صبح ومساء، وبين صحو ونوم، ووفق أمزجتهم ونواياهم، وحسب تكوينهم الحسي والجسمي والعقلي والنفسي.

وقد بلغت العوالم الافتراضية في هذه الأيام حدا هائلا من الكثافة والتكدس والامتلاء رغم أن بداية رحلة الناس إلى هذه العوالم الأثيرية كأفراد طبيعيين أو معنويين ممثلين في شركات ومؤسسات وهيئات خاصة أو عامة، حديثة العهد. إذ لم تمهد سبلها الإلكترونية المعقدة ولم يتح استخدامها للخاصة والعامة على نطاق واسع عبر شبكات الاتصال الأرضي والفضائي إلا مع بداية هذه الألفية الثالثة.

ومن يلج العوالم الافتراضية اليوم يشعر كأنها قد بلغت من العمر عتيا، أو كأنها قد تكونت مع بداية تكوين الأرض في زمنها الجيولوجي الأول. فكل ما يخطر على بالك من هواجس وصور وأفكار تجده مطويا بين ثنايا ها وأكثر.

غير أن ما يميز العوالم الافتراضية عدم وجود حد فاصل بين الأمكنة والأزمنة فيها، لأن وسائلها عند السفر أو الإبحار في أعماقها أشبه ما تكون بسفينة الزمن التي تمكن من اختراق حاجز الحقب التاريخية صعودا ونزولا، كما في أفلام الكارتون الحالمة وسينما الفانتاستيك الخيالية الجامحة.

وبما أن وجود الناس على الأرض محدود بضيق المكان وبضيق الأفق وذات اليد وقهر الزمن والسلطة، فقد أصبحت العوالم الافتراضية ملاذا مثاليا للبوح والتعبير في عالمنا العربي كما في العالم أجمع، سواء بالرمز أو بالصوت أو بالصورة المتحركة أو الثابتة، وسواء باللغة العادية المباشرة أو باللغة المجازية الشاعرة.

وعليه، فإن ما يميز العوالم الافتراضية أكثر أنها صارت الأفق الأرحب المتاح اليوم للتنفيس أكثر من قصيدة أو لوحة أو فصول مسرحية أو مثل أو حكمة أو خرافة رمزية.

وقد لا يهم اليوم أن تبحث عن خل وَفِـيٍّْْ عز وجوده في هذا العصر لتفرغ على مسامعه همك وحزنك، أو عمود جريدة لتلقي لديها ببعض عجرك وبجرك بعد التمحيص والتنقيح لكل ما من شأنه أن …
يكفي أن تفتح موقعا صغيرا أو مدونة أو تنشئ هوامش افتراضية مفتوحة أو مرموزة تثبت أو تمحي فيها في كل يوم ما تشاء.
ومن تابع معي مخاض كتابة هذا الإدراج من أوله إلى نهايته عرف كم عدد الخربشات التي حذفتها والتعديلات التي أضفتها حتى استوى على هذا الشكل النهائي الذي أرسلته على الشبكة العنكبوتية.

وأنا بعدما مارست التدوين واختبرت خباياه ومشاقه لا أنكر على نفسي ما أستشعره في كل يوم من متعة خاصة عندما أتمكن من إضافة إدراج جديد، ولو كآخر إشارة مني على آخر وجود لي موثق أسفل آخر إدراج باليوم والساعة والدقيقة والثانية.

أشعر كأن عقارب الوقت هي التي تكتبنا وتدوننا لا نحن، أوكأن أناملنا الصغيرة هي وسائلها في ذلك. ولو توقفت أناملنا عن النقر وعيوننا عن مصافحة شاشة الحاسوب لانتفى جزء مهم من حقيقة وجودنا في هذا العصر الذي كلما اتسع وتعولم إلا وضاق وازدحم.

Written by عبد اللطيف المصدق

سبتمبر 20, 2008 في 4:27 م

قراءة في واقع التدوين العربي المُـنتسب

أضف تعليق »

كتب يوم الإثنين,حزيران 09, 2008

التدوين العربي: حديقة أم غابة..!!

كثرت المواقع العربية التي تقدم خدمات التدوين المجاني، وكثرت مدونات المنتسبين إليها من العرب وغير العرب الناطقين بلغة الضاد كثرة هائلة جعلت واقع التدوين العربي الراهن يعرف حالة غريبة من التضخم والحشو والامتلاء العشوائي، فصار أشبه ما يكون بالغابة البرية: فيها من الشجر المزهر والمثمر بمقدار ما فيها من السدر والشوك والحنظل، وفيها من التغريد والتطريب بمقدار ما فيها من الزئير والفحيح والصياح، وفيها من الأنس والسكينة بمقدار ما فيها من الوحشة والرهبة…..

ومعلوم أن إتاحة خدمة التدوين المجاني في بعض المواقع العربية السباقة، وإن جاءت متأخرة عن الركب الدولي، كعادتنا في كل شيء، فقد كانت شبه ضرورة حتمية بعد استشراء واستفحال حمى التدوين العالمية.

كما أن خدمة التدوين المجاني المتاحة في بعض المواقع العربية لم تكن كرما حاتميا منها لصالح شريحة كبيرة من المواطنين المغلوبين على أمرهم الراغبين في الكتابة والتعبير عن أنفسهم وانشغالاتهم ممن لا قبل لهم بإنشاء مدونة أو موقع على نطاق خاص مدفوع الأجر، بقدر ما كان ذلك اقتداء واضحا بكبريات المواقع العالمية المشهورة الرائدة في مجال تطوير وتحسين خدمات التدوين المجاني، وبواجهات لغوية متعددة ومنها اللغة العربية أيضا، كما أوضحنا ذلك في إدراج سابق.

هذا فضلا عما يضيفه التحاق عدد هائل من المدونين المنتسبين إلى تلك المواقع العربية من سيولة كبيرة في حركة الزوار والمعلقين؛ فكثيرا ما تكون الغاية الأولى لمعظم تلك المواقع عند إضافة خدمة جديدة هو جلب أكبر عدد ممكن من الزوار، ولو أدى بها الأمر أحيانا إلى تغليب جوانب البهرج الزائف والإثارة الحمقاء والتشهير الهدام على جوانب المضمون الخصب والمحتوى البناء. فليس هناك ما يحبط المشرفين على إدارة المواقع العربية أكثر من نزول مؤشر الزوار إلى الحضيض. ولذلك ينبغي ألا نستغرب عندما نجد خدمة التدوين جنبا إلى جنب مع خدمات الدردشة والتشات وركن الزواج والتعارف وألبوم الأغاني والصور الثابتة والمتحركة وغير ذلك من الشكليات التي تنجذب إليها معظم الكائنات الافتراضية العربية، بسبب وعورة مسلك التعبير بالكلام العربي الفصيح في هذه الأيام.

وهذا من شأنه أن يرسخ في الأذهان صورة مشوشة ومشوهة عن التدوين العربي فتجعله أبعد ما يكون عن عمل الراشدين الواعين المكتوين بجمر الواقع العربي ولظاه، وأقرب ما يكون إلى سلوك المراهقين العابثين الغافلين عن ذواتهم ومحيطهم، وخاصة بعدما تحولت كثير من المدونات العربية إلى نسخ طبق الأصل لواقع المنتديات وغرف الدردشة الحمراء والصفراء من حيث طريقة كتابة الإدراجات ووضع التعليقات…

ومما لاشك فيه أيضا أن كثيرا من المواقع العالمية التي اعتمدت اللغة العربية كواجهة إضافية لمنصة التدوين لديها قد سحبت البساط من تحت أقدام كثير من المواقع العربية التي تقدم خدمة التدوين المجاني أيضا، وإن في الحدود الدنيا لشروط الجودة التقنية التي لا ترقى إلى طموح المدونين العرب ولا تلبي كل رغباتهم، فضلا عن هامش الحرية والمناورة المتاحين للكائنات العربية الافتراضية بشكل محدود، كما في واقع الكتابة الورقية سواء بسواء.

وقد يجري على هذه المواقع الافتراضية ما يجري على بعض شركاتنا التجارية والصناعية والخدماتية التي تعرضت لغزو العولمة والمنافسة الشرسة المحتكمة إلى رأس المال والخبرة التقنية والشفافية العالية، فحكمت عليها وكثير من مؤسساتنا الوطنية العربية العمومية بالإفلاس.

ترى هل آن الأوان لبعض المواقع العربية التي تقدم خدمة التدوين العربي لتعلن عن إفلاسها الافتراضي أيضا كما يحدث في كل يوم بالنسبة لكثير من شركاتنا العربية التجارية والصناعية والمالية والخدماتية على أرض واقعنا العربي المتهرئ؟ أو لتلغي هذه الخدمة من بوابتها إلى الأبد بعد هذا الرحيل الجماعي الذي يعرفه المدونون العرب إلى عوالم البلوغر وورد بريس مثلا؟…

وليعلم أصحاب هذه المواقع العربية أنهم مسئولون أدبيا وأخلاقيا عن هجرة الطيور المغردة إلى الضفة الأخرى حيث الصفاء والسكينة، بعدما أهملوا حديقة التدوين العربي، وتركوها غفلا لتنمو عشوائيا من غير تهذيب وتنقية وتشذيب…

Written by عبد اللطيف المصدق

سبتمبر 20, 2008 في 4:24 م

مسلك المدونين في وضع العناوين؛ (الورقة الثانية)

أضف تعليق »

كتب يوم الأربعاء,آذار 19, 2008

الورقة الثانية : العنوان مبدأ تنظيمي أم وسيلة للغواية والإثارة؟!!.

التدوين الإلكتروني أو الافتراضي هو، في الأصل، بنية تقنية ترميزية شديدة التعقيد والتنظيم. والعنونة جزء أساسي من هندسة تلك البنية؛ فلا يمكن أن نتصور مدونة في شكل كتلة واحدة تتكدس عندها الخطوط والأرقام والصور والألوان والظلال دون وجود عناوين فاصلة بين أجزائها ومكوناتها الأفقية والعمودية؛ فالمدونة تكتسب مرونتها وحيويتها من عناوينها الملائمة لتوجه المدون وثقافته واختياراته وقناعاته وتمثلاته للواقع والأحداث والأشياء المحيطة به.

وتلك العناوين بالنسبة للمدونة كالمفاصل بالنسبة لجسم الإنسان لأنها هي التي تكسبه القدرة على الحركة والمناورة إن أراد الوقوف أو الجلوس أو الانحناء أو التمدد أو الانعطاف. ولولا تلك المفاصل العجيبة في جسمنا لبدونا كقطع معدنية أو كتل إسمنتية جامدة أو أعمدة خشبية قاسية.

وعناوين المدونة الرئيسية والفرعية التي موادها من كلام تصبح لها نفس وظيفة المفاصل التي تكون موادها من عظام، مما يقوي من مرونة عمل التدوين وحيوته وتجدده واتصاله مع بعضه البعض عبر تلك العناوين التي سرعان ما تتحول في البيئة الافتراضية إلى إحالات مرجعية وروابط تشعيبية وأزرار للتحكم. فعند الضغط عليها بمؤشر الفأرة ينكشف ما تحتها من المضامين والصور والإعلانات والبلاغات والخطب والرسائل والرموز والإشارات التفاعلية، وهذا ما يستحيل أن يتوفر في عالم القراءة الورقية.

كما أن هذه العناوين تتحول إلى عنصر جذب رئيسي سواء بالنسبة لمحركات البحث التي تقوم بفهرسة دورية أو روتينية للمدونات والمواقع لعرض آخر العناوين التي قذف بها في وادي السليكون، أو بالنسبة للزوار والقراء الافتراضيين الذين اعتادوا زيارة مواقع أو مدونات معينة أو الذين يعبرون منها بين الفينة والأخرى لمجرد الفضول أو الصدفة.

ومن هؤلاء العابرين بالصدفة من يطيل المكوث عند هذه المدونة أو تلك إلى درجة الاعتياد والألفة إذا اكتشف صدق العناوين التي قادته إليها ومطابقتها لما تحتها من سياقات أو مضامين، ولما توفره من متعة، وخاصة عندما تقترن تلك المتعة بالفائدة؛ وقد سبق لنا في بعض الإدراجات أن تحدثنا عن جاذبية العناوين والموضوعات ذات الحساسية الجنسية أو الحساسية السياسية أو هما معا في عالمنا الافتراضي الكوني عموما والعربي خصوصا.

ولكن، بما أن الكتابة الافتراضية محكومة بالضبط التلقائي للوقت الذي أرسلت فيه على الشبكة العنكبوتية بالدقيقة والثانية، فإن العناوين الجديدة تطغى دائما على العناوين القديمة فتبعدها تدريجيا حتى تختفي تماما من الواجهة الأمامية للموقع أو المدونة. مما يحعل وضع العناوين في المدونة أو الموقع كوضع عناوين شريط الأخبار التلفزيوني عندما يطرد بعضها بعضا ويمحو بعضها بعضا حسب منطق ونسق تعاقب الأحداث وما يطرأ على أرض الواقع في كل يوم أوساعة من مستجدات ومتغيرات.

ومن هنا يمكن أن نقول: إن نظام القراءة الافتراضية نظام مغشوش لأنه يتجه دائما صوب الأعلى لا صوب الأدنى وصوب الظاهر على سطح المدونة أو الموقع لا إلى ما وراء ذلك من الصفحات المطوية. وبعبارة أخرى فعيون القراء الافتراضيين تتجه دوما صوب الجديد لا صوب القديم. لأن مبدأ الطراوة هو المبدأ المعمول به في سوق القراءة الافتراضية كما أشرنا إلى ذلك سابقا. تماما كما في الأسواق التجارية العادية حيث تكون أنظار الزبناء مركزة على تاريخ الإنتاج وتاريخ انتهاء الصلاحية.

وهكذا تبقى كثير من العناوين البعيدة بما تحتها من مواضيع مترسبة في قعر المدونة العميق حتى تجذبها محركات البحث مرة أخرى عبر كلمات البحث المفتاحية التي يمكن أن نشبهها بالطعم الذي يعلقه الصياد في الصنارة لأثارة الأسماك وجذبها من قعر البحر إلى سطحه؛ وهكذا فما أن يدخل أحدنا كلمة مفتاحية في خانة البحث لمحرك كوكل أو غيره حتى تنجذب أعداد هائلة من العناوين الشاردة والمترسبة في قعر بحر الأنترنت العميق.

ومع أن نتائج البحث عبر المحركات الافتراضية يمكن أن تكون مذهلة ومفيدة أحيانا، فإنها كثيرا ما تكون محبـِطة ومخيبة للآمال أحيانا أخرى؛ فقد يرخي الواحد منا شباك بحثه فلا يظفر في النهاية إلا بنزر يسير لا يسمن ولا يغني من جوع لكثرة ما يعلق بمحركات البحث من زوائد وطحالب وغثاء.

فلا زالت محركات البحث تبني على علاقة المشابهة اللفظية والخطية العشوائية بين مواد البحث وعناوين الموضوعات المطلوبة للقراءة، مما يوقع الباحث الافتراضي في حيرة كبيرة من أمره، وخاصة عندما تختلط نتائج البحث عليه ويتراكم بعضها على بعض على امتداد عشرات الصفحات التي ينفد معها الصبر عند التقليب ولا تنفد.

وأعتقد كما يعتقد غيري ممن يهمهم أمر البحث عن العناوين الصحيحة المجدية في هذا العالم الافتراضي الفسيح أنه لن تحل هذه المشكلة تقنيا في الأمد القريب أو البعيد إلا إذا تعلمت أجهزة الحاسبات وبرامجها اللوغرتمية المعقدة من الإنسان كيف تفهم وتفكر قبل أن تجيب عن عناوين البحث الطلوبة بعشوائية وسطحية.

ورغم أن معظم المدونات والمواقع تتوفر على أرشيف جانبي للعناوين حسب النمط الأبجدي أو حسب التاريخ الذي أرسلت فيه الإدراجات، كما أن كثيرا منها يتوفر على محرك بحث مخصص داخل الموقع أو المدونة لتيسير الوصول إلى المواد والعناوين المطلوبة، فإن كثيرا من القراء الافتراضيين لا يلقون بالا إلى الهوامش والإشارات الجانبية المساعدة على التوجيه. ومن هنا يلجأ بعض المدونين إلى تثبيت بعض الإدراجات أو بعض العناوين على رأس الصفحة الأولى من المدونة لجلب الفضول وإثارة الانتباه حتى لو تطاول عليها أمد التاريخ، مما يوحي بأن العنوان يمكن بسهولة أن يتحول عن أهدافه التنظيمية المفصلية التي تحدثنا عنها في بداية هذا الإدراج، وأنه قد يصبح لدى فئة من المدونين والكتاب الافتراضيين وسيلة للخداع والتضليل للفوز بأكبر عدد ممكن من التعليقات والزيارات.

Written by عبد اللطيف المصدق

سبتمبر 20, 2008 في 12:09 ص

أرسلت فى التدوين والنقد

وسوم الموضوع

مسلك المدونين في وضع العناوين؛ (الورقة الأولى)

أضف تعليق »

كتب يوم الجمعة,آذار 14, 2008

الورقة الأولى؛ مقدمة تمهيدية ونقطة نظام أولية:

من يطالع عناوين المصنفات والكتب التراثية العربية القديمة، على اختلاف تخصصاتها الدينية والشرعية والعلمية والأدبية، يلمح مدى حرص أسلافنا عند الكتابة والتأليف على وضع العنوان المناسب في المكان المناسب.

وبما أن العنوان هو أول ما يطالع القارئ فقد أوجبوا على أنفسهم العناية الشديدة به، واشترطوا مطابقته لمضمون الكتاب قدر الإمكان، كما أظهروا عناية خاصة بتنسيقه وتنميقه وإخراجه حتى يثير فضول القراء ويجلب انتباههم ويلوي أعناقهم. وقديما قيل: ( يقرأ الكتاب من عنوانه)، وقيل أيضا: ( علامة الدار على باب الدار).

ولكن، كثيرا ما نصاب بالخيبة عندما ندخل بيوتا يكون ظاهرها غير باطنها، أو عندما نكتشف أن العناوين التي أغرتنا ببريقها ودفعتنا إلى شراء كتاب وتصفح موقع أو مدونة قد بنيت على الغش والخداع والتضليل الذي لا يُجني منه غير الفراغ الممزوج بالحسرة والخيبة على ما ضيعناه من الوقت والجهد عند التصفح والقراءة، (كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا) سورة النور/ آية 39.

وليس العنوان في دلالته العامة إلا اختصارا مصغرا ومركزا للتفاصيل الكبيرة التي تكمن خلفه في صفحة أو في مجلدة أو في موقع أو في مدونة، وكما هو الحال أيضا في كل قصة أو مسرحية أو مسلسل درامي أو حتى في شريط أخبار منسدل أسفل الشاشة. إنه النواة الصغيرة التي تتأصل منها الشجرة الكبيرة، وومظة البرق السريع الخاطف الذي يسبق تدفق الغيوم المنهمرة.

أما قصائد الشعر العربي القديمة التي خلت من العناوين فقد كان بيتها الأول لها بمثابة العنوان. وكان الشعراء يعتبرون افتتاحية القصائد كالمفتاح بالنسبة لكل الأبواب الموصدة؛ فإذا وقع هذا المفتاح السحري العجيب بيد الشاعر تحرر من عقاله وانطلق يعدو في رحاب القول والإبداع بكل طلاقة وعفوية وحرية.

وأما إذا بدأ الشاعر قصيدته من غير افتتاحية مناسبة فإن ذلك يعتبر هجوما غير لطيف على الموضوع؛ كمن يعمد إلى اقتحام بيوت الناس من غير استئذان: إما بكسر الأقفال وفض الأختام وإما بقلع الأبواب وهدم الحيطان أو نسف البيوت من الأساس عنوة وغصبا، كما فعلت أمريكا في العراق عندما محت كثيرا من العناوين الحضارية والتراثية التليدة لهذا البلد المستباح.

وكل واحد منا اليوم في واقع هذه الحياة الافتراضية الجديدة يسعى غاية جهده ليظهر بضاعته التدوينية وخبرته المعرفية والتقنية عند أحد منعطفات الطرق الرقمية السيارة.

وقد غدت المدونات الإلكترونية بمثابة تلك الحوانيت المصفوفة بزخرفها وتلألئها من الخارج، وبضائعها المكدسة على بعضها البعض في الداخل. لكن، ليس على الرصيف الأيمن أو الأيسر من الإسفلت وإنما على طول تلك المسارات الرقمية العالمية المتشابكة.

والقراء والزوار الافتراضيون هم من يعبرون جيئة وذهابا تلك الشوارع الافتراضية العجيبة المتوهجة أيضا بالأضواء والألوان والشعارات والوسوم والممتدة بلا بداية ولا نهاية. وكل واحد منهم يقتفي أثرا لعنوان ما يفتح له إمكانية الجواب عن سؤال أو الوصول إلى هدف إو إلى فهم رأي أو قضية. ومنهم من جاء ليقطف ويملأ السلال، ومنهم من جاء للنزهة العابرة والتملي بطلعة عناوين المدونات وسحنة المدونين البهية وغير البهية.

وعلى العموم يمكن أن نعتبر عناوين المدونات العربية من أهم المداخل الأساسية أيضا لمعرفة وقراءة واقع المدونات العربية من عناوينها الدالة أو غير الدالة، الصحيحة والزائفة.

وإذا فما هو مسلك المدونين في وضع العناوين؛ سواء تعلق الأمر بأسماء المدونات نفسها لحظة ولادتها من رحم فكر صاحبها، أو بعناوين تصنيفاها الجانبية ومحتوياتها الداخلية، وهل يستند المدونون في ذلك إلى خطة مرسومة وترتيب محدد أم أن الأمر متروك لمزاجهم المتقلب ولمحض الصدفة. هذا هو موضوع الورقة الموالية، أما هذا الإدراج فلم يكن إلا إشارات أولية.

Written by عبد اللطيف المصدق

سبتمبر 18, 2008 في 2:13 م

أرسلت فى التدوين والنقد

وسوم الموضوع

القراءة الورقية والقراءة الافتراضية

أضف تعليق »

كتب يوم الأحد,شباط 17, 2008

القراءة في مفهومها التقليدي تعني تلك العملية الذهنية البصرية التي نقوم بها لاسترجاع معلومات مخزنة سابقا في أرشيف المخطوطات أوالمطبوعات.

وتتطلب أية قراءة بصرية عادية التوفر على جملة مبادئ ومعارف أولية لفك شفرة أبجدية لغة واحدة أو أكثر من بين عدد هائل من اللغات العالمية، قبل أي عملية فهم أو دراسة أو تحليل أو مقارنة لمحتوياتها ومضامينها الغزيرة.

وهذا المفهوم البسيط للقراءة العادية ينسحب أيضا على القراءة الافتراضية التي تقوم أيضا باسترجاع المعلومات المخزنة، لكن ليس في الكتب والدفاتر والمطويات وإنما في الأقراص والرقائق الإلكترونية ذات القدرة الهائلة وغير المحدودة على الحفظ والاستيعاب أو على الشبكة المعلوماتية، مع فارق نوعي في طريقة الاسترجاع.

فالاسترجاع الافتراضي لا يتم عبر التصفح اليدوي للورق وإنما باستخدام مجموعة مترابطة من أجهزة وبرامج التخزين والعرض والأرشفة الرقمية الآلية الدقيقة المنظمة التي تتطلب خبرة معينة بلغة البرمجة وعلوم الحاسبات الآلية.

غير أن خيارات القارئ الورقي المتاحة أمامه للمناورة تكاد تكون منعدمة تجاه الكتب والمطبوعات الورقية، وخاصة عندما يكون في وضعية الإذعان والاستسلام الكامل لما يقرأه.

وبما أن ما طـُبع على الورق قد طـُبع على وجه الثبوت وبقرار نهائي لا رجعة فيه كالميسم على ظهر البعير، فلا مجال البتة إلى زحزحة ولو حرف واحد من مكانه، إلا ما يمكن أن يضيفه بعض القراء بعد ذلك بخطوط أيديهم في حواشي الصفحات من تعليقات أو توجيهات أو تصويبات أو استدراكات.

وقد احتفظت لنا المخطوطات العربية القديمة بحواشي كثيرة تراكمت على نصوصها ومتونها مع مرور الزمن حتى أصبحت في حجم الكتاب الأصلي أو أكثر في بعض الأحيان، وقد جُمعت تلك الحواشي لاحقا في كتب قائمة بذاتها، وصار كثير منها معروفا لدى أصحابها المتخصصين مثل حواشي ألفية ابن مالك المشهورة عند النحاة على سبيل المثال.

وحتى الكاتب الأصلي نفسه لا يملك تجاه ما أصدره من كتب أو مطبوعات أدنى رد أو مراجعة إلا عبر طبعة أخرى منقحة، أو بقرار السحب والمصادرة. أما أنا فقد راجعت هذا الإدراج بعد إرساله على الشبكة عدة مرات بالتشذيب والتنقيح حتى استوى على صورته النهائية التي يحسن بها ظني ويطمئن إليها قلبي. ولو اقتضى الأمر أحيانا إضافة علامة واحدة من علامات الترقيم، أو شطب كلمة مكررة، أو الفصل بين كلمتين التصقتا أو تباعدتا سهوا عند النقر على أزرار لوحة المفاتيح.

وتلك عادتي في الكتابة الافتراضية؛ لأني أرى فيها مشروعا مفتوحا على الدوام بين الكاتب والقارئ للبحث والتنقيح والتجديد، فكثيرا ما نبهتني تعليقات الزوار الكرام إلى أخطائي، وساعدتني في إعادة التوجيه والتصويب، بل كثيرا ما فتحت لي بعض التعليقات الجادة التي أطالعها على مدونتي ومدونة غيرى نوافذ جديدة للبحث والتأمل الذي قد يتولد عنه موضوع جديد لم يكن ليخطر لي على البال.

وعندما أستخرجُ من مكتبة الكلية بعض الكتب المُعارة إلى طلبة فصول الإجازة فإن أول ما يثير انتباهي تعليقاتهم وانطباعاتهم الشخصية العفوية التي يثبتونها في حواشي الكتب أو بين سطورها بالحبر الجاف أو بقلم الرصاص، وقد يكتفي بعضهم بتسطير بعض الجمل والفقرات ذات صلة بما ينجزونه من فروض وعروض وأبحاث، ومنهم من يكتفي بثني جانب من الصفحة أو دس خيط أو قطعة ورق صغيرة في ثنايا الكتب كعلامة بسيطة على تميز مضمون صفحة معينة من كتاب ما قد يُرجع إليه لاحقا عند الحاجة.

وعموما فإن الآثار التي يتركها المراجعون للكتب من الطلبة وعموم القراء على الكتب المودعة في مكتبات الكليات وفي المكتبات العمومية، أو حتى تلك التي باعها أصحابها في أسواق الكتب العتيقة لا تقدم إلا مؤشرات ضئيلة لقياس درجة وطبيعة التلقي عند فئة معينة محدودة من القراء الورقيين، رغم طرافتها وغرابتها وأهميتها في بعض الأحيان.

وبما أن الكتابة الافتراضية التي تكون في مدونة أو في موقع تتيح لصاحبهما الذي يمتلك سر الولوج إليهما إمكانيات هائلة للتطوير والمراجعة الذاتية لكل ما يكتبه أو يعرضه في كل وقت وحين، كما أوضحنا ذلك في بعض المقالات السابقة، فإن القراءة الافتراضية تأخذ من الكتابة الافتراضية نفسها كثيرا من خصائصها وملامحها المميزة أيضا؛ ذلك أن أثر الكتابة الافتراضية يظهر بشكل سريع من خلال الردود والتعليقات للقراء الافتراضيين التي تكاد تكون آنية؛ بحيث لا يفرقها عن تاريخ إرسال الإدراجات غير دقائق معدودة. وكأن عيون القراء الافتراضيين لا تنام، فهي على الدوام متتطلعة ومتشوفة إلى ما يجد منها على مدار الوقت.

وعلى هذا فإن طراوة التعليقات الافتراضية من طراوة الإدراجات والموضوعات الافتراضية أيضا، وكلما تطاول العهد بالإدراجات إلا وقلت التعليقات حتى تتوارى بعيدا في حيزها الافتراضي لتصبح نسيا منسيا إلى أن ترشد إليها محركات البحث عبر الكلمات المفتاحية فتنعشها وتنفخ فيها روح الحياة من جديد. وهذا بخلاف واقع القراءة الورقية التي يظل وضعها متراخيا في الزمن.

والذي يميز الكتابة والقراءة الافتراضيتين تلازمهما الشديد هذا، وكأن أحدهما يطلب الآخر ويستحضره؛ فلا معنى للكتابة الافتراضية دون وجود قراء افتراضيين عند طرف واحد أو أكثر من أطراف الشبكة العنكوتية التي يكون عددها بعدد الحواسيب المتصلة.

ومن هنا يتولد الشغف الكبير لدى الكتاب الافتراضيين بالعداد الافتراضي، وحرصهم الشديد على تتبع حركة الزوار ومناوراتهم المختلفة.

وتقدم أجهزة الاستشعار عبر برمجيات إلكترونية خاصة معلومات دقيقة للكاتب الافتراضي عن قرائه، من حيث العدد نزولا أو هبوطا أو استقرارا، ومن حيث البلد أوالقارة انتماء ومستقرا، ومن حيث طبيعة برامج التصفح لديهم، ومن حيث نوع الصفحات والعناوين والموضوعات والتصنيفات المطلوبة للزيارة، ومن حيث الوقت الذي استغرقته كل زيارة وغير ذلك من التفاصيل الدقيقة المرتبطة بحيثيات وخصوصيات القراءة الافتراضية التي لا نجد لها نظيرا في القراءة الورقية.

ولهذا لم يعد مستغربا في واقع القراءة الافتراضية اليوم، أن يستدعي إدراج طريف على موقع أو مدونة من القراء الافتراضيين ومن التعاليق في مسافة زمنية قصيرة ليوم واحد ما لا يستدعيه كتاب مطبوع في مسافة زمنية طويلة لعام كامل.

Written by عبد اللطيف المصدق

سبتمبر 17, 2008 في 4:12 م

أرسلت فى التدوين والنقد

وسوم الموضوع

وضعية الإملاء العربي في مجتمع التدوين باللغة العربية

أضف تعليق »

كتب يوم السبت,كانون الثاني 26, 2008

كنت دائما أومن بأن المدخل الطبيعي لمعالجة مشكل الإملاء العربي هو القراءة الصحيحة الموجهة. كما كنت ولا زلت أومن بأن كل تعليم صحيح ناجح لا بد فيه من الاحتذاء على مثال صالح مقبول، تماما كما يلزم الأمر عند تعلم أي حرفة أو صناعة، أو عند اكتساب أي مهارة من المهارات التي تتطلب قدرات عالية عقلية أو نفسية أو جسمانية.

فتعلم اللغة نطقا وكتابة لا يقل في شيء عن أي تدريب عضلي. وأمر القوة والتماسك فيهما معا موكول إلى طول الدربة والمراس. وإلا فإن مآلهما الى التراخي والتراجع والانكماش.

وقبل عقد من الزمان لم تكن لدينا مؤشرات كثيرة لقياس وضعية الإملاء المكتوب بالعربية، إلا من خلال تصحيح دفاتر المتعلمين وأوراق إجاباتهم في الامتحان في مراحل التعليم الأولية الابتدائية، أو عبر ما يكنب من بحوث ودراسات في المراحل المتقدمة العالية.

ولعل كل واحد منا يتذكر إشارات التصحيح الحمراء التي كانت توضع من قبل أساتذتنا على أوراقنا وإجاباتنا في كل اختبار إملائي أو نشاط تربوي مكتوب بخط اليد.

وكنا نفخر بأنفسنا قلما قلت تلك الإشارات الحمراء المنبهة من أوراقنا وكراساتنا، وكنا نفرح أكثر كلما اختفت تماما؛ فقد كان أثر المداد الأحمر بين السطور في النفوس كأثر جرح غائر لا يندمل.

وأذكر أن أساتذتنا في مرحلة التعليم الجامعي خاصة لم يكونوا يتسامحون قيد أنملة في شأن أخطاء اللغة والإملاء. بل يمكن لتلك الأخطاء التي قد تبدو في نظر البعض هينة وضئيلة أن تعصف بمجهود الطالب كله، مهما علا كعبه في الفهم والتحليل والتفكير.

أما اليوم، وبعد هذا التدفق الهائل للمعلومات عبر وسائط الاتصال الحديثة المتعددة فقد أصبح في الإمكان قياس وضعية الإملاء العربي عبر كل وسيلة استخدام تقنية تدعم اللغة العربية؛ وأيسرها وأكثرها استعمالا، على سبيل المثال، الهاتف النقال عند كتابة وتبادل الرسائل النصية.

وربما جاءت المدونات على رأس هذه الوسائل الرقمية الجديدة التي يمكن أن تؤشر بوضوح على الوضعية الحقيقية للإملاء العربي للعوامل الثلاث التالية:

- العامل الأول: مرونة وسهولة أنظمة عمل وإنشاء المدونات، بحيث لا يتطلب فتح حساب مدونة غير توفر الشخص على بريد إلكتروني عادي وعلى بضعة دقائق معدودة من مجمل فائض وقتنا العربي الضائع.

- العامل الثاني: لم يعد الارتباط بالشبكة العنكبوتية صعبا على الناس كالسابق بفضل المنافسة الشديدة بين الشركات الكبيرة التي تبيع خدمات الاتصال المعلوماتية السلكية وغير السلكية بأثمان مغرية ومشجعة.

- العامل الثالث: كثرة المواقع التي تقدم خدمة التدوين المجاني فضلا عن وسائل الدعم الفني والتقني لها مع المساعدة والتوجيه خطوة بخطوة.

وبما أن نشاط التدوين الرقمي يعتبر الأكثر استقطابا للشباب والمراهقين ممن هم في سن التعلم والتحصيل، أو ممن أتموا تكوينهم والتحقوا حديثا بالوظائف أو بصفوف المعطلين فيمكن أن نعتبر ما يفرزه هذا النشاط من كتابات عبر صفحات ومدونات تتناسل في كل يوم بسرعة كالفطر، مؤشرا إضافيا على وضعية الإملاء لدى المدونين باللغة العربية من كل الفئات بصفة عامة ومن فئة الشباب بصفة خاصة، لاسيما وأن هذه الفئة العمرية تمثل نصف المجتمع العربي من حيث التعداد السكاني.

وقد ألزمت نفسي منذ أن خضت في الحديث عن التدوين العربي منهج التعميم والحياد؛ فأنا لا أحبذ أن أشير بالأصبع إشارة مباشرة إلى أي أحد لدواعي الإنصاف واحتراما لخصوصيات جميع الناس على اختلاف أصنافهم وتوجهاتهم وأعمارهم، ويغيظنى كثيرا أن أرى ساحة التدوين العربي قد تحولت في الآونة الأخيرة إلى معترك حقيقي لتصفية الحسابات الشخصية وللمهاترات الكلامية والتحرش والتهديد والغوغائية بأساليب لغوية ركيكة تعمها الأخطاء اللغوية والإملائية من كل جانب.

وكنت أتأمل من جيل المدونين ومظة أمل مشرقة تنآى بواقعنا الافتراضي، ولو لبعض الوقت، عن الواقع العربي الحقيقي المفعم بالخلافات والصراعات البينية التي عطلت مصالحنا وأخرت نمونا، وأضعفت وازع القوة لدينا وأطمعت كل من هب ودب من المغامرين وقطاع الطرق للسطو على أرزاقنا ومدخراتنا.

وقد يطول بي الوقت إذا حاولت أن أستعرض بعض علل التدوين العربي الإملائية، حتى لا يتحول هذا الإدراج إلى درس خصوصي للتصحيح والتقويم، ولأنني أربأ بنفسي أن أكون شاهدا على جوانب الضعف والخلل، ولأنني أحبذ أكثر أن أكون شاهدا على جوانب القوة والاكتمال.

وإنما أكتفي هنا فقط بذكر ظاهرة إملائية عامة أثارت انتباهي هذه الأيام، ويتعلق الأمر بمشكل بسيط جدا؛ وهو تهجية بعض الحروف العربية المخصوصة؛ أذكر منها:

حرف الذال الذي يكتب دالا بالإهمال بدل الإعجام، وكذلك حرف الظاء الذي ينقلب ضادا وحرف الثاء المثلثة الذي ينقلب تاء مثناة، والسين إلى صاد أو العكس، والأدهى من كل هذا أن يتحول الطاء إلى تاء والذال إلى زاي والدال إلى ضاد….

هذا فقط ما يتعلق بمستوى تهجية الحروف الأبجدية في الحدود اللغوية الدنيا البسيطة فما بالنا بما فوق ذلك بقليل؛ كأن يتعلق الأمر بكتابة الألفاظ العادية والمستعصية، أو بالتحويل الصرفي، أو بإعراب أواخر الكلمات والجمل، فضلا عما فوق ذلك كله مما يرقى إلى إحكام السبك وجمال الأداء.

وقد شاءت الصدفة العجيبة أن يتوافق وقت كتابة هذا الإدراج مع برنامج ” مباشر مع ” الذي بث مساء هذا اليوم، 26 يناير كانون الثاني، على قناة الجزيرة. وقد كان ضيف البرنامج هذه المرة الأستاذ والشاعر المصري الكبير فاروق شوشة صاحب البرنامج الإذاعي المشهور ( لغتنا الجميلة ) والأمين العام لمجمع اللغة العربية بمصر.

وقد كان موضوع هذه الحلقة أيضا خاصا بوضعية اللغة العربية وبتأثير اللهجات عليها، وبدور مجامع اللغة العربية التي لم تفلح كثيرا في معالجة الاختلالات والاختلافات اللغوية العربية العالقة بين الفصحى والعامية، تماما كما لم تفلح الجامعة العربية في حل ولو خلاف واحد من الخلافات العربية العالقة أيضا في جوانبها السياسية والاستراتيجية والاقتصادية والتنموية…

Written by عبد اللطيف المصدق

سبتمبر 17, 2008 في 3:59 م

التفاوت اللغوي في التدوين العربي

أضف تعليق »

كتب يوم الأحد,كانون الأول 02, 2007

كثرت المدونات العربية كثرة هائلة في هذه الأيام، ولم يعد الوقت يكفي إلا لتصفح القليل منها.

وإن كثرة المدونات لا تعني بالضرورة ارتفاع الوعي بجدوى التدوين وبفاعليته وبقيمته داخل المجتمع العربي، إلا في الحد القليل المفيد منها مما يمكن أن يبقى مع مرور الوقت، ويصمد في وجه عمليات الفرز والتخير والغربلة، إذ لا يصح في نهاية المطاف غير الصحيح؛ فالعبرة دائما تكون بخواتم الأمور لا ببداياتها رغم الصعوبة المقررة لكل بداية.

فكثير من المدونين تعثرت أقدامهم مع أول إدراج يتيم أرسلوه، ومنهم من نفدت مواد كلامهم وانقطع حسهم بسرعة بعد مضي شهر واحد أو شهرين…. وكأن أقصى ما يتمناه بعض من التحقوا بقطار التدوين تسجيل حضورهم العابر على الشبكة العنكبوتية، لا مواصلة رحلة التدوين حتى تنضج وتبلغ أقصى غاياتها الممكنة..

إن انتظام حضور المدون الراشد الواعي بذاته وبمحيطه، على الساحة العنكبوتية يشعره في كل يوم بمزيد من المسؤولية، ويحثه دوما على النقد الذاتي والمراجعة التصحيحية ليفيد ويستفيد…

كما أن التماسك اللغوي في الإدراجات أو في عموم المدونة يدل على التماسك الفكري والترابط المنطقي لنهج صاحب المدونة ذاته، وعلى وضوح الرؤية بين عينيه، وعلى عمق الخبرة لديه لأن صحة التفكير من صحة العبارة، كما أوضحنا سابقا في كثير من الإدراجات التي خصصناها لقضايا التدوين.

ومع الأسف الشديد فإن التفاوت اللغوي في عالم التدوين العربي يبقى الظاهرة البارزة التي تؤشر على خلل كبير نتساهل في شأنه ونتسامح في حقه في كل يوم، وقلما نبه أحدنا إليه.

ولقد قرأت كثيرا من مدونات الإخوة (المغاربيين) باللغة الفرنسية فوجدتها أكثر انتظاما في خطها اللغوي ونهجها الأسلوبي، وكأنها صادرة عن شخص واحد أجنبي يتقن أصول لغته…

وفي الوقت نفسه أقرأ كثيرا من المدونات العربية المشرقية والمغربية، فأجد التفاوت اللغوي فيها حاضرا بقوة يكاد يقطع أوصالها ويجعل منها جزرا مفككة معزولة، وكأنما كتبت بلغات عربية متعددة.

ولعل استشعار صعوبة التدوين باللغة العربية هو الذي يدفع بكثير من المدونين العرب إلى الكتابة بالإنكليزية أو الفرنسية أو بغيرهما من اللغات العالمية، رغم أن حظهم من تعلم العربية كحظهم من تعلم باقي اللغات، سواء بسواء، إن لم يكن أكثر…
وهذا مع استثناء تلك الفئات االعربية المتنفذة من حيث السياسة والوجاهة التي اختارت أن تـُمحى شخصيتها العربية وأن تذوب كليا في التغريب حتى ارتضته منهجا عاما في سلوكها الحياتي والفكري واللغوي…

وهناك طائفة أخرى وسطى من المدونين العرب تكتب في الظاهر باللغة العربية، غير أن تفكيرها في الباطن، يكون بلغة أجنبية. ومن هنا فإن كثيرا من المدونات العربية تكاد تكون نسخا لبعض المدونات الغربية النمطية، أو ترجمة حرفية ركيكة لكثير من الجمل الإنجليزية أو الفرنسية المتداولة، على غرار كثير من القنوات الفضائية العربية وبرامج تلفزيون الواقع التفاعلية التي غزت البيت العربي، وبدأت تعمل على خلخلة ثوابته وتفكيكه، هو الآخر، من الداخل والخارج….
فالتفكير بلغة غير الكتابة عن ذلك الفكر نفسه بلغة أخرى، وحتى في مجال فن الترجمة الخالص فإن الأمر يقتضي أن تكون معرفة المترجم بلغة الانطلاق كمعرفته بلغة الوصول سواء بسواء.

فالمعروف، ولتوضيح هذه الفكرة أكثرحول هذه المفارقة اللغوية في التدوين العربي، أن للجمل الإسمية والجمل الفعلية العربية قوانين خاصة تضبطها. ويأتي على رأسها القانون الذي أطلق عليه النحاة اسم “الصدارة”؛ ومعناه: أن الفعل في الجملة الفعلية سابق دوما على الفاعل وأن المفعول به متأخر دوما عنهما، وكذلك الأمر في الجملة الإسمية حيث يتأخر الخبر عن المبتدأ، ولا يجوز تأخير ما حقُّه أن يقدم إلا لأمر بلاغي خاص.

ومع الأسف، ومع أن أكثرنا يحفظ كثيرا من قواعد الجمل العربية الفعلية والإسمية، فإن قانون الصدارة هذا مخترق إلى أبعد الحدود في كثير من المدونات العربية، بل قد لا يـُعتد به نهائيا. مما يجعل منها امتدادا للمدونات الأجنبية ومفتقدة للخصوصية العربية الأصيلة، ومن هنا منشأ هذا الاختلاف والتفاوت اللغوي بينها.

وأما إذا تحدثنا عن قانون الوصل والفصل الذي يحكم نظام الجمل والفقرات العربية فحدث ولا حرج، بحيث تبدو بعض الإدراجات ككتلة عشوائية من الخيوط الكلامية المتشابكة التي لا يعرف طرفها الأول من الثاني. وكأن صاحبها يكتب في الأصل جملة واحدة أفقية من أول السطر إلى نهايته، أو من بداية الصفحة إلى نهايتها، بحيث يستحيل مع هذا الوضع اللغوي المتراكم تبين الحدود بين جملة وجملة، أو بين فقرة وأخرى.

فالأصل في الكتابة العربية، أن تكون الجمل فيها قصيرة ومفيدة بذاتها و بغيرها بحكم السياق العام، مع تجنب الجمل الاعتراضية والحشو اللفظي قدر الإمكان.

ومما زاد من استفحال أمر التفاوت، هذا، التأثير المتزايد للهجات المحلية في التدوين العربي، بحيث يعمل كل مدون على تغليب لهجته بوعي أو يدون وعي. ومن أبرز مظاهر ذلك خلو عبارات كثير من المدونين من إعراب أواخر الكلمات بشكل كلي أو جزئي، وفي بعض الأحيان كتابتهم لبعض الكلمات كما تنطقها العامة في البيت أو الشارع. ومن هنا أيضا، تتولد المفارقة الكبرى بين المخطوط والملفوظ في التدوين العربي. فكثير من المدونين يكتبون الكلمات كما تـُسمع لا كما ينبغي لها أن تكتب استنادا إلى القواعد العربية المضبوطة.

أما عن قواعد الإملاء والصرف فحدث ولا حرج، إلا عند من استقام لسانه بكثرة القراءة وممارسة أسلوب التصحيح الصارم أثناء الكتابة وبعدها حتى يخلصها على الوجه المطلوب.. .

ومما لا شك فيه أن امتلاك ناصية التعبير اللغوي العربي الفصيح السليم أمر شاق. وقد يحتاج إلى تمرس طويل بقراءة النصوص والمتون العربية السليمة الصحيحة قبل حفظ القواعد والنظريات.

ومع الأسف الشديد فإن تعليم اللغة العربية في المؤسسات العربية العمومية يبقى عاجزا عن إنتاج النمط اللغوي التعبيري الفعال، بسبب غلبة جوانب التنظير العقيم والبيداغوجيا الجوفاء على جوانب التطبيق والإنتاج الخلاق. وكأن كل عملية تعليمية عندنا تهدف فقط إلى جلب النجاح في حدوده الدنيا المرتكزة فقط على الحفظ والاستظهار:( بضاعتنا ردت إلينا)، فأنى لها إذن أن تبث في المتعلم روح الفاعلية والانتاج …؟؟

ولو عرضنا على هذا المتعلم نصوصا منوعة بقدرما نعرض عليه من القواعد والنظريات لكان حال اللغة العربية على ألسنة الشباب من المدونين غير الحال.

وأنا هنا لا أقلل من قيمة أي مدونة كيفما كانت، لأن كل مدونة تحمل بين طياتها إشارة ما تتطلب نوعا خاصا من الدراسة والانتباه.

وإنما نطمح فقط إلى تحقيق نوع من الانتظام والوحدة والتكامل داخل لغة التدوين العربي، كما كان الحال في كل الكتابات العربية القديمة. وذلك حال يصعب معه تمييز مجموعة من الكتاب في المشرق أو المغرب عن مجموعة أخرى إلا على مستوى ما يمكن أن يقع بين تلك المجموعات من تفاوت في ارتفاع مستوى جودة التعبير وجماله، لا في تواضعه واختلاله …

Written by عبد اللطيف المصدق

سبتمبر 16, 2008 في 4:03 م

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.