Posts Tagged ‘التدوين والجنس’
حدود الجرأة في التدوين العربي:(موضوع الجنس نموذجا) ـ الورقة الثانية
كتب يوم الثلاثاء,تشرين الثاني 07, 2006
ــ الورقة الثانية:
جاذبية التدوين وجاذبية القراءة بخصوص قضايا الجنس.
إن نظرة سريعة على نتائج محركات البحث على الشبكة العنكبوتية، تثبت أن موضوعات الجنس والحب والغزل والغرام والتعارف، وما يدور في معناها، هي الأكثر تداولا في بيئة القراءة الخاصة بالمدونات. ويكفي أن تدخل على محرك كوكل العملاق بواحدة من هذه الكلمات أو بمشتقاتها أو بمرادفاتها الكثيرة لتتأكد من النتيجة بنفسك.
وما ينطبق على المدونات قد ينطبق أكثر على المواقع والمنتديات، لأن زوار المواقع والمنتديات يكون، في العادة، أكبر من زوار المدونات بأضعاف مضاعفة؛ فعمل الموقع أو المنتدى وراءه مجهود جماعي وتقني هائل، وفوق ذلك فهو مدعوم بوسائل الإشهار والإسناد المادي والمعنوي من قبل الشركاء المتعاملين معه.
أما المدونة فتبقى عملا فرديا محدودا بالوقت والجهد والإمكانيات، مهما كان شأن صاحبها في الاطلاع والمعرفة، وفي قوة الأداء والتعبير، وفي التفوق التقني عند التصميم والإعداد لمواد مدونته.
وقد لا يخفى على القراء الكرام الصدى الكبير الذي خلفته موجة ما سمي ب (السعار الجنسي) التي ضربت بعض شوارع مصر، على حركة التدوين العربي طيلة الأيام القليلة الماضية التي أعقبت شهر الصوم. بل لازال الحديث عن هذه الظاهرة الغريبة الشاذة مستمرا ومتفاعلا إلى هذا الوقت الذي أكتب فيه هذه السطور.
وكانت بعض المدونات المصرية سباقة إلى رصد أثر تلك الموجة في الشارع المصري، منذ اللحظة الأولى قبل أن تنتبه إليها المواقع والمنتديات والصحف، وبعض المحطات الفضائية المحدودة.
ومما يلاحظ أن المدونات التي تطرقت إلى موجة السعار تلك قد عرفت ارتفاعا ملموسا في عدد الزوار. حتى إن بعض جهات التعتيم المعترضة اتهمت تلك المدونات بالاختلاق والتزيد، بعد أن شككت في صحة وجود حادثة التحرش الجماعي في الشارع المصري أصلا، وأن الأمر لم يكن إلا محض ادعاء من قبل بعض المدونين للفت الأنظار، وجلب أكبر قدر ممكن من الزوار لمدوناتهم. انظر، على سبيل المثال، هذا الرابط
وقد كان بإمكاننا أن نتجاوز الحديث عن هذا الموضوع الساخن الذي يكثر تداوله الآن لولا دخوله ضمن السياق العام لهذا الإدراج، كما أنه يؤكد لنا الحقيقة التي أوضحناها منذ البداية؛ وهي أن الإقبال على مدونة ما يكون، في الغالب، مرتبطا بواقع القراءة الإلكترونية السائدة، وبواقع تعامل القراء العرب مع محركات وفهارس البحث الرقمية.
وإذن، فلا شك أن مؤشر القراءة الإلكترونية أصبح اليوم، وربما أكثر من أي وقت مضى، يميل كثيرا لصالح موضوعات الجنس ومشتقاته، خاصة بعد هذه الثورة الجنسية الخطيرة التي تجتاح العالم بأسره، وبعد حركة الجنوح الجنسي الجماعي الشاذ في صفوف النساء والرجال على حد سواء، حتى صار الجنس كأنه البوصلة الأولى التي تحدد اتجاه معظم القراء، قبل السياسة وقبل الاقتصاد وقبل قضايا الفكر والأدب، وذلك لحظة إقبالهم على بيت الأنترنت العنكبوتي، عبر بواباته ونوافذه، وعبر شباكه وحبائله.
ولكي تتضح هذه الحقيقة أكثر في الأذهان أضرب مثالين آخرين أضيفهما إلى حادثة السعار الجنسي التي أسالت مدادا كثير على صفحات المدونات العربية، وشدت انتباه كثير من القراء إليها.
المثال الأول:
واقع التدوين النسائي وصلته بقضايا الجنس في عالمنا العربي:
إن واقع التدوين النسائي ربما اختلف، قليلا أو كثيرا، عن واقع التدوين الرجالي، ليس لما قد يتوهمه البعض من تفاوت بين عقل المرأة والرجل، وإنما لما يحيط بواقع النساء المُدَوِّنات في عالمنا العربي من ملابسات؛
فهناك مدونات نسائية شيقة ومفيدة، بل إن بعض المدونات النسائية متفوقة كثيرا على مثيلاتها الرجالية من حيث الصراحة والجرأة، ومن حيث جوانب الفهم والتفكير والتعبير. والدليل الباهر على ذلك أن عدد المدونات النسائية المرشحة للإقصائيات النهائية لمسابقة ال( bobs) لهذا العام أكبر من عدد المدونات الذكورية، وهذا بغض النظر عن دوافع وخلفيات هذا الترشيح طبعا.
ومما يجدر التنبيه إليه أيضا بخصوص هذه المسابقة أن معظم تلك المدونات النسائية المرشحة للفوز بجائزة التدوين مصرية.
كما يلاحظ أيضا، وهذا مما له صلة بسياق الموضوع، أن تلك المدونات المرشحة قد بلغت حدا كبيرا من الجرأة في تناول قضيتين متباعدتين: قضية المعترك السياسي من جهة، وقضية معترك البوح النسائي المحظور من جهة ثانية. ومن هنا يبدو لنا التلازم الكبير بين السياق الجنسي والسياق السياسي في التدوين النسائي. ربما لأن كليهما يحتاج إلى أنواع جديدة من الجرأة والاختراق لم تعهد من قبل في دنيا النساء، ويبدو أنه قد آن أوانها، أو لنقل: إن ظروفها العامة مهيأة لذلك.
ولم تقف بعض المُدَوِّنات عند حدود الكشف عن ذاتهن من الخارج ونفسيتهن من الداخل، بصراحة مفضوحة، بل تجاوزن ذلك كله إلى الكشف عن جسد الرجل من الداخل والخارج أيضا بشكل مثير جدا، وهكذا عَـَّرين هذا الرجل كما كان يـُعريهن هو، من قبل ولا زال، من خلال الفعل أو الكلام أو الأدب أو الرسم أو النحت أو السينما أو التلفزيون أو الإشهار وهلم عريا…..
ففي مدونة الحرملك مثلا التي وقعتها صاحبتها المصرية باسم زبيدة، وهي من بين المدونات المرشحة للإقصائيات النهائية ل(bobs ) أيضا، ولهذا السبب عينه استشهدنا بها، نجد مساحة مكشوفة للحديث عن قضيب الرجل. ومادة القضيب، لغويا، من المواد التي يهتز لها محرك كوكل العربي بسرعة فائقة.
ولنا أن نتخيل عدد القراء العرب المهوسيين بالجنس الذين يمكن أن يقودهم الشيخ كوكل إليها( نقصد هنا مادة القضيب اللغوية)، سواء في مدونة الحرملك هذه أو في كثير من المدونات النسائية والرجالية الأخرى، لانريد الإفصاح عنها حتى لانتهم بالتشهير أو التغرير.
وكل ذلك فقط بسبب وجود مادة القضيب ضمن صفحة من الصفحات الإلكترونية التي تهتز لها حساسية الشيخ كوكل قبل أن تهتز لها مشاعر القراء الذين قد يدلهم عليها.
ثم، لك عزيزي القارئ، بعد هذا الذي قلناه، أن تختبر ما تشاء من مواد الكلام الأخرى المتعلقة بدنيا الجنس والغرام عند اختبارها وعرضها على محركات البحث العملاقة وتقيس النتيجة بنفسك.
ولكن، ومع هذا الإنجاز المبهر الذي استحقته نخبة من المُدَوِّنات العربيات عن جدارة واستحقاق، بعد ما أبدينه من جرأة في اقتحام جدار الصمت الذي يفصل عالم النساء عن عالم الرجال في واقعنا العربي، تبقى فئة أخرى من المُدَوِّنات العربيات المغلوبات على أمرهن. فهن لا زلن يعانين لعنة التحرش الجنسي في واقعهن الحقيقي وفي واقعهن الافتراضي على حد سواء. وقد لحقتهن إلى مدوناتهن أيضا، ولا زالت تطاردهن وتراودهن عن عقلهن وأنفسهن؛ وذلك من خلال التعليقات الرجالية المستفزة البعيدة عن موضوعاتهن المدرجة رغم أهميتها العلمية أو الفكرية أو الأدبية بالنسبة لكل عاقل حصيف منصف، أو من خلال المعاكسات الشخصية المزعجة التي تصلهن عبر بريدهن الإلكتروني.
المثال الثاني:
تجربتي الشخصية في التدوين عندما خضت في الكلام عن الحب والعشق:
فقد سبق لي أن أدرجت بتاريخ 18 يناير/ كانون الثاني، من سنة 2006 موضوعا تحت عنوان: (كلمات في الحب والعشق) ضمن فئة: (حديث المرأة والرجل)، على موقعي الأصلي ضمن مدونات (مكتوب). وهذا رابطه.
وأدرجت نفس الموضوع، بنفس العنوان، على نسخة أخرى لمدونتي هذه على موقع ( blogs.ma)، بتاريخ:5 مايو/ أيار من سنة 2006، ضمن نفس الفئة أيضا، وهذا رابطه.
ومما ينبغي التنبيه إليه بخصوص هذا المثال الثاني، حتى نضع الأمور في سياقها، ويفهم القارئ الكريم المغزى الذي نقصد إليه، أن لهذا الموقع خاصية غير متوفرة في موقع مكتوب؛ إذ يوفر لكل إدراج عدادا خاصا بالزوار، بحيث يعطيك فكرة عن نوع الإدراجات والموضوعات الأكثر رواجا وتصفحا في مدونتك، إما بطريقة مباشرة، وإما عبر محركات البحث الكثيرة.
ومع أن مواد العنوان أعلاه ( كلمات في الحب والعشق ) أقل إثارة من مادة( القضيب) التي وردت في مدونة الحرملك السابقة فالنتيجة تكاد تكون واحدة. وهذا مع الأخذ بعين الاعتبار أن حديثي في هذا الموضوع لم يتعد العنوان،أما الباقي فهو كلام تراثي مشرق عن هذا الموضوع، في جوانبه العاطفية السامية، ويتجاوز بكثير واقع الإثارة الحسية المباشرة، بل ويتنزه عنها ليرتقي بالنفس إلى مدارج الكمال.
ولكن، لم يُفهم المغزى العميق من هذا الإدراج من لدن معظم القراء، وبدا لي أن هذا الإدراج كان في واد وأن التعليقات عليه كانت في واد آخر. وقد حافطت على تلك التعليقات، في الموقعين معا، لأجل هذه الدراسة، وحتى يكون قارئ هذه المدونة على بينة من حقيقة الأمر.
ولكن، عليك أيها القارئ الكريم، بعد هذا التوضيح، أن تقوم بمقارنة بسيطة بين عدد زوارهذا الإدراج الذي يحمل العنوان أعلاه وبين عدد زوار باقي إلإدراجات الأخرى، وتستعرضها بعناوينها المختلفة ومضامينها المتباعدة على موقع: ( blogs.ma) ليتضح لك الفرق الشاسع في عدد الزوار بين هذا الإدراج أو ذاك، وبين هذا الإدراج موضوع الدراسة، على الخصوص، الذي أخذ قسمة الأسد من عدد الزوار ومن عددالتعليقات أيضا.
وهكذا يتبين لنا، بما لايدع مجالا للشك، أن واقع القراءة في عالم الإنترنت محكوم بدوافع قبلية قابعة في نفوس القراء. وهي تفعل فعلها السحري الخفي، بعيدا عن أنظار معظم المدونين، في تقرير مصير هذا الإدراج أو ذاك، من حيث مستوى الإقبال عليه أو الإعراض عنه، مما قد لا تكون له علاقة ما بتوجه المدون، أو بمقياس الجودة والرداءة.
وإذن، ومن هنا، فلينظر المدونون في أمرهم، وليعدلوا من استراتجياتهم ومناوراتهم، إذا ما افترضنا أن واقع التدوين العربي مجرد لعبة سخيفة بين كاتب عربي افتراضي حتى النخاع وبين قارئ عربي واقعي بامتياز.
وفي نهاية هذا الموضوع نخلص إلى أن واقع القراءة الافتراضية في عالمنا العربي، اليوم، ربما هو أبعد ما يكون عن طموح الكاتب الافتراضي الجاد وعن مقاصده السامية النبيلة، على الأقل كما استنتجت أنا ـ العبد الضعيف ـ من تجربتي المتواضعة في التدوين، وقد أشرفت على نهاية عامها الأول. ( فلا أحد يمكنه أن يفهم حقيقة المدونين غير المدونين أنفسهم ).
وأهل التدوين والمدونات جميعا على موقع (مكتوب) المحترم أدرى بشعابهم وأعرف بحالهم، وإليهم جميعا وإلى أصدقائي منهم الأوفياء المخلصين، وإلى جميع القراء المميزين، وإلى جنود الخفاء في هذا الموقع الساهرين على سلامة موقعنا ومدوناتنا، من إداريين وتقنيين، أهدي هذا الإدراج المتواضع، عربون مودة وتقدير، مع خالص تحياتي للجميع.
حدود الجرأة في التدوين العربي: (موضوع الجنس نموذجا) ـ الورقة الأولى
كتب يوم السبت,تشرين الثاني 04, 2006
عناصر الموضوع:
1 ــ تمهيد
2 ــ الورقة الأولى:
موضوع الجنس بين التلميح والتصريح في الموروث الثقافي والديني.
3 ــ الورقة الثانية:
جاذبية التدوين وجاذبية القراءة بخصوص قضايا الجنس.
1 ــ تمهيد:
أن تخرج على الناس بمدونة ما، بغض النظر عن طبيعة شكلها ومضمونها، هو نوع من الجرأة، وهتك صريح لغشاء الصمت المطبق علينا في معظم أحوالنا العادية. فأكثرنا مخبوء تحت لسانه، ولا يُعرَفُ، على حقيقته، إلا من خلال كلامه، عندما يقرر أخيرا، وعن سابق إصرار وترصد أن يتكلم، أو بالأحرى أن يقترف (جرم) الكلام….!!
وقد وفرت المدونات، في أيامنا المعولمة هذه وبفضل خدمات الأنترنت العجيبة، حلولا سحرية رائعة لفض غشاء الصمت ذاك، وإن كان المدونون يكتبون في حالة من العزلة الافتراضية، من وراء شاشاتهم الإلكترونية.
غير أن سلوك التدوين، بهذا الوضع الخاص المنعزل، يهيئ للمدون مجالا رحبا ممتدا بلا نهاية للبوح والاعتراف والغوص على المعاني الدفينة في نفسه أو في نفوس الناس من حوله، والإنصات مليا إلى صوته المنبعث من الداخل الذي كثيرا ما يتبدد ويضيع في الأمكنة المكتظة بالناس.
وموضوع الجنس من أكثر الموضوعات بساطة وتعقيدا في نفس الوقت، فهو كالبحر سهل على الجاهل الذي تتوقف نظراته عند حدود السطح، صعب على العالم الذي تنفذ نظراته إلى أعماق الأعماق.
كما يمكن أن يكون أكثر الموضوعات رقة وشفافية عند التلميح، وأكثرها فجاجة ووقاحة، وعربدة وفحشا عند التصريح.
ولذلك فإن الخوض فيه يختلف كثيرا عن الخوض في غيره من الموضوعات. وقد يعرض صاحبه لكثير من الشكوك والاتهامات، ويضع كلامه تحت المحك، وبين شفرتي المقص، إذا لم يستطع أن يوفق بين حالين، ويضم ما تباعد من طرفين.
والخوض في قضايا الجنس، في عالمنا العربي، حسب فهمي الشخصي المتواضع، كالخوض في قضايا السياسة. فوراءهما قوة استبدادية هائلة تطبق على الناس بأشكال مختلفة من العنف والقهر والإكراه بدل المصارحة والمكاشفة والحوار البناء، للوصول إلى حد معقول من التراضي والانسجام المقبول مع الذات ومع المحيط، من غير تقييد وتعقيد مجحف، أو إطلاق وتهاون مخل أو متلف.
ولا أرى مبررا واحدا مقنعا يمكن أن يمنع أي إنسان من الحديث في هذا الموضوع، أو يدفعه إلى تجنبه والإعراض عنه. لأنه ببساطة، ممتد فينا ومتمكن منا بالضرورة وبالقوة وبالفطرة.
ولذلك فإني سأترك المجال مفتوحا بيني وبين القارئ الكريم للحوار والنقاش الرزين المثمر، بعد أن يقرأ مضمون الورقتين التاليتين الخاصتين بهذا الموضوع، ويستنتج من واحدة منهما أو من كلتيهما، ما يمكن أن يتباعد أويتقارب مع طبيعة فهمه وعلمه وخبرته.
2 ــ الورقة الأولى:
موضوع الجنس بين التلميح والتصريح في الموروث الثقافي والديني:
إن موضوع الجنس، رغم أهميته البيلوجية والفزيلوجية في تقرير وجود البشر واستمرار سلالتهم على وجه هذه البسيطة، لا زال في واقعنا العربي الحياتي، والثقافي، والديني والرمزي، سرا من الأسرار.
وحتى كلمة السر نفسها، في مدلولها الأول الحقيقي، كانت تفيد معنى الممارسة الجنسية في موضعها الطبيعي من جسم الرجل والمرأة حيث الفرج.
ثم تغير هذا المدلول مع مرور الزمن، وصار مجازيا ليفيد معنى الإخفاء والتغطية والستر والكتمان وغير ذلك، كما هو شائع في التداول اللغوي لنفس الكلمة اليوم. وقليل منا يعرف أن أصل كلمة سر يفيد الممارسة الجنسية.
وبما أن هذه الممارسة يفترض فيها أن تتم في السر فقد سهل على الناس تجاوز المعنى الأول إلى الثاني. والرابط المعنوي الذي بقي ممتدا فيهما هو الإخفاء والستر، كما يتبين لنا من المثالين التاليين اللذين يرجعان بنا إلى أصل الكلمة الحقيقي الأول.
ـ المثال الأول: من القرآن الكريم، وهو الحجة الأولى في الاستعمال اللغوي العربي الفصيح:
قال سبحانه وتعالى: ( وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاء أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَـكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا) سورةالبقرة، الآية235.
والمقصود الجنسي من الآية واضح. وقد كنى الله عز وجل عنه بكلمة السر، تأدبا وتلطفا، كما ورد في معاجم اللغة العربية، وفي كتب التفاسير.
ــ المثال الثاني من الشعر العربي القديم، قال الأعشى:
ولا تقربن من جارة إن سرها
عليك حرام فانكحن أو تأبدا
والمراد بالسر، في بيت الأعشى واضح أيضا. ومعنى تأبد: ابتعد.
فالمرأة في عرف العرب، وحتى قبل مجيء التعاليم الإسلامية الدينية السمحة سر زوجها لأنها تنكشف له وحده دون سواه. والعكس بالعكس صحيح أيضا، صونا للأصول ولحقوق النسب. فلا يحق لهما أن ينكشفا على بعضهما البعض إلا بالزواج. وقد حكم بذلك الأعشى، منذ العصر الجاهلي، في بيته السابق.
ولنا في سورة يوسف عليه السلام، وفي قصته مع زليخة التي مارست عليه لعبة الإثارة والغواية خير مثال للمقاربة الربانية المتكاملة لجوانب هذا الموضوع الشائك، سواء في بعدها المادي الجسدي الشهواني، أو في بعدها الروحي النقي السامي، من غير إفراط أو تفريط، أو تجاوز لحدود اللياقة والأدب.
فلماذا يتحدث القرآن عن الجنس بهذا الشكل الشفاف الراقي، ويصم كثير من المتشددين في الدين والمتزمين آذانهم عن هذا الموضوع جملة وتفصيلا…؟؟!!
ومن المفارقات العجيبة لهذا الموضوع أن الناس يمارسون الجنس بالفعل أو بالإثارة، بالرمز أو بالإشارة، في الواقع وفي الحلم وفي الخيال، وفي دوائرالحلال والحرام، وبالطرق السوية والشاذة، والصحية والمرضية …، ولكنهم لا يتحدثون عنه إلا في أضيق الحدود، وفي غالب الأمر لأغراض ذاتية نفعية كالغواية والإثارة، والشهرة والتغرير، والدعارة والإفساد، أو لأغراض تهجمية وتدميرية كتشويه السمعة والتشنيع والتحقير؛ فكثيرا ما تتخذ تهم التحرش الجنسي والخيانة الزوجية مثلا سببا لتحطيم القلوب، وإثارة الفتن في أوساط المحبين، بل وحتى لتصفية الحسابات الشخصية، والإطاحة بكبار الوجهاء والرؤساء والحكام، من غير لجوء إلى مؤامرات سياسية أو انقلابات عسكرية؛ فتهمة جنسية واحدة صادقة أو كاذبة قد تنسف في ثانية واحدة ما بني خلال أعوام متوالية…
ومع خطورة هذا الموضوع، على مستوى الفرد والأمة والعالم أجمع تبقى قضايا الجنس، وخاصة داخل الوطن العربي، من بين الملفات السرية المطوية التي لا تفتح غالبا، إلا لغرض التشنيع، مما يجعلها بعيدة عن كل رؤية مستنيرة، أوفهم رزين، أو مقاربة سليمة لجوانب هذا الموضوع الخطير الشائك. وخاصة بعد أن عج عالمنا الواقعي والفضائي والافتراضي بأوكار الرذيلة والفاحشة.
وتلك الأوكار يرتادها كثير من الناس اليوم خلسة، كبارا وصغارا وذكورا وإناثا عبر الفضائيات والمواقع والمنتديات وحتى المدونات، فيما يشبه سلوك خفافيش الليل التي تأوي دائما إلى العتمات الفاسدة الموبوءة.
وإذن، كيف يتعامل المدونون وقراؤهم اليوم مع هذا الموضوع، وما هي المقاربة العلمية المنهجية المثلى له انطلاقا من واقع المدونات العربية، مقاربة توفيقية تجمع بين رأي من لايقبل الخوض في هذا الموضوع من أساسه، وبين من يقبل عليه بتعقل، وبتحفظ وبحذر، أو بانزلاق وجنوح وتهور.
هذا هو موضوع الورقة المقبلة التي سنعرض لها في الإدراج الموالي.
