تدوين التدوين

قراءة وتأملات في واقع التدوين والحياة الافتراضية

Posts Tagged ‘التدوين واللغة

وضعية الإملاء العربي في مجتمع التدوين باللغة العربية

أضف تعليق »

كتب يوم السبت,كانون الثاني 26, 2008

كنت دائما أومن بأن المدخل الطبيعي لمعالجة مشكل الإملاء العربي هو القراءة الصحيحة الموجهة. كما كنت ولا زلت أومن بأن كل تعليم صحيح ناجح لا بد فيه من الاحتذاء على مثال صالح مقبول، تماما كما يلزم الأمر عند تعلم أي حرفة أو صناعة، أو عند اكتساب أي مهارة من المهارات التي تتطلب قدرات عالية عقلية أو نفسية أو جسمانية.

فتعلم اللغة نطقا وكتابة لا يقل في شيء عن أي تدريب عضلي. وأمر القوة والتماسك فيهما معا موكول إلى طول الدربة والمراس. وإلا فإن مآلهما الى التراخي والتراجع والانكماش.

وقبل عقد من الزمان لم تكن لدينا مؤشرات كثيرة لقياس وضعية الإملاء المكتوب بالعربية، إلا من خلال تصحيح دفاتر المتعلمين وأوراق إجاباتهم في الامتحان في مراحل التعليم الأولية الابتدائية، أو عبر ما يكنب من بحوث ودراسات في المراحل المتقدمة العالية.

ولعل كل واحد منا يتذكر إشارات التصحيح الحمراء التي كانت توضع من قبل أساتذتنا على أوراقنا وإجاباتنا في كل اختبار إملائي أو نشاط تربوي مكتوب بخط اليد.

وكنا نفخر بأنفسنا قلما قلت تلك الإشارات الحمراء المنبهة من أوراقنا وكراساتنا، وكنا نفرح أكثر كلما اختفت تماما؛ فقد كان أثر المداد الأحمر بين السطور في النفوس كأثر جرح غائر لا يندمل.

وأذكر أن أساتذتنا في مرحلة التعليم الجامعي خاصة لم يكونوا يتسامحون قيد أنملة في شأن أخطاء اللغة والإملاء. بل يمكن لتلك الأخطاء التي قد تبدو في نظر البعض هينة وضئيلة أن تعصف بمجهود الطالب كله، مهما علا كعبه في الفهم والتحليل والتفكير.

أما اليوم، وبعد هذا التدفق الهائل للمعلومات عبر وسائط الاتصال الحديثة المتعددة فقد أصبح في الإمكان قياس وضعية الإملاء العربي عبر كل وسيلة استخدام تقنية تدعم اللغة العربية؛ وأيسرها وأكثرها استعمالا، على سبيل المثال، الهاتف النقال عند كتابة وتبادل الرسائل النصية.

وربما جاءت المدونات على رأس هذه الوسائل الرقمية الجديدة التي يمكن أن تؤشر بوضوح على الوضعية الحقيقية للإملاء العربي للعوامل الثلاث التالية:

- العامل الأول: مرونة وسهولة أنظمة عمل وإنشاء المدونات، بحيث لا يتطلب فتح حساب مدونة غير توفر الشخص على بريد إلكتروني عادي وعلى بضعة دقائق معدودة من مجمل فائض وقتنا العربي الضائع.

- العامل الثاني: لم يعد الارتباط بالشبكة العنكبوتية صعبا على الناس كالسابق بفضل المنافسة الشديدة بين الشركات الكبيرة التي تبيع خدمات الاتصال المعلوماتية السلكية وغير السلكية بأثمان مغرية ومشجعة.

- العامل الثالث: كثرة المواقع التي تقدم خدمة التدوين المجاني فضلا عن وسائل الدعم الفني والتقني لها مع المساعدة والتوجيه خطوة بخطوة.

وبما أن نشاط التدوين الرقمي يعتبر الأكثر استقطابا للشباب والمراهقين ممن هم في سن التعلم والتحصيل، أو ممن أتموا تكوينهم والتحقوا حديثا بالوظائف أو بصفوف المعطلين فيمكن أن نعتبر ما يفرزه هذا النشاط من كتابات عبر صفحات ومدونات تتناسل في كل يوم بسرعة كالفطر، مؤشرا إضافيا على وضعية الإملاء لدى المدونين باللغة العربية من كل الفئات بصفة عامة ومن فئة الشباب بصفة خاصة، لاسيما وأن هذه الفئة العمرية تمثل نصف المجتمع العربي من حيث التعداد السكاني.

وقد ألزمت نفسي منذ أن خضت في الحديث عن التدوين العربي منهج التعميم والحياد؛ فأنا لا أحبذ أن أشير بالأصبع إشارة مباشرة إلى أي أحد لدواعي الإنصاف واحتراما لخصوصيات جميع الناس على اختلاف أصنافهم وتوجهاتهم وأعمارهم، ويغيظنى كثيرا أن أرى ساحة التدوين العربي قد تحولت في الآونة الأخيرة إلى معترك حقيقي لتصفية الحسابات الشخصية وللمهاترات الكلامية والتحرش والتهديد والغوغائية بأساليب لغوية ركيكة تعمها الأخطاء اللغوية والإملائية من كل جانب.

وكنت أتأمل من جيل المدونين ومظة أمل مشرقة تنآى بواقعنا الافتراضي، ولو لبعض الوقت، عن الواقع العربي الحقيقي المفعم بالخلافات والصراعات البينية التي عطلت مصالحنا وأخرت نمونا، وأضعفت وازع القوة لدينا وأطمعت كل من هب ودب من المغامرين وقطاع الطرق للسطو على أرزاقنا ومدخراتنا.

وقد يطول بي الوقت إذا حاولت أن أستعرض بعض علل التدوين العربي الإملائية، حتى لا يتحول هذا الإدراج إلى درس خصوصي للتصحيح والتقويم، ولأنني أربأ بنفسي أن أكون شاهدا على جوانب الضعف والخلل، ولأنني أحبذ أكثر أن أكون شاهدا على جوانب القوة والاكتمال.

وإنما أكتفي هنا فقط بذكر ظاهرة إملائية عامة أثارت انتباهي هذه الأيام، ويتعلق الأمر بمشكل بسيط جدا؛ وهو تهجية بعض الحروف العربية المخصوصة؛ أذكر منها:

حرف الذال الذي يكتب دالا بالإهمال بدل الإعجام، وكذلك حرف الظاء الذي ينقلب ضادا وحرف الثاء المثلثة الذي ينقلب تاء مثناة، والسين إلى صاد أو العكس، والأدهى من كل هذا أن يتحول الطاء إلى تاء والذال إلى زاي والدال إلى ضاد….

هذا فقط ما يتعلق بمستوى تهجية الحروف الأبجدية في الحدود اللغوية الدنيا البسيطة فما بالنا بما فوق ذلك بقليل؛ كأن يتعلق الأمر بكتابة الألفاظ العادية والمستعصية، أو بالتحويل الصرفي، أو بإعراب أواخر الكلمات والجمل، فضلا عما فوق ذلك كله مما يرقى إلى إحكام السبك وجمال الأداء.

وقد شاءت الصدفة العجيبة أن يتوافق وقت كتابة هذا الإدراج مع برنامج ” مباشر مع ” الذي بث مساء هذا اليوم، 26 يناير كانون الثاني، على قناة الجزيرة. وقد كان ضيف البرنامج هذه المرة الأستاذ والشاعر المصري الكبير فاروق شوشة صاحب البرنامج الإذاعي المشهور ( لغتنا الجميلة ) والأمين العام لمجمع اللغة العربية بمصر.

وقد كان موضوع هذه الحلقة أيضا خاصا بوضعية اللغة العربية وبتأثير اللهجات عليها، وبدور مجامع اللغة العربية التي لم تفلح كثيرا في معالجة الاختلالات والاختلافات اللغوية العربية العالقة بين الفصحى والعامية، تماما كما لم تفلح الجامعة العربية في حل ولو خلاف واحد من الخلافات العربية العالقة أيضا في جوانبها السياسية والاستراتيجية والاقتصادية والتنموية…

Written by عبد اللطيف المصدق

سبتمبر 17, 2008 في 3:59 م

التدوين المغربي بين الفصحى والعامية

أضف تعليق »

كتب يوم الثلاثاء,كانون الثاني 01, 2008

إذا سلمنا بأن القسم الأكبر من المدونين المغاربة يكتبون باللغات الأجنبية وخاصة الفرنسية فإن القسم القليل المتبقي يتوزع بين الفصحى والعامية، دون إغفال اللهجات الأمازيغية التي قد يكتبها بعض المدونين بحروف عربية أو لاتينية، أو قد يكتبها البعض الآخر بحروف (تيفناغ ) التي اعتمدها المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، سواء بالنسبة للهجة (تاريفيت) في شمال المغرب، أو (تامازيغت) بالنسبة لوسطه أو( تاشلحيت) بالنسبة لجنوبه، وحتى (الحسانية) بالنسبة لأقصى جنوبه الصحراوي .

إن هذا التعدد الثقافي واللغوي في مشهد التدوين المغربي ظاهرة طبيعية وصحية تجد تفسيرها العميق في التعدد الجغرافي والمناخي الذي ينعكس على سحنة المغاربة وعلى لون بشرتهم، ويؤثر بشكل كبير في لكنتهم وحتى في عاداتهم وطباعهم وأمزجتهم.

ولكن، لا أحد في هذا البلد يملك أن يزيح فسيفساء واحدة من هذا المشهد اللغوي المتنوع إلا إذا كان في وسعه، وأنى له ذلك، أن يزيل من خريطة المغرب سهله أو بحره أو رمله، أو يزحزح بجرة قلم أو كبسة زر جبلا واحدا من جباله الشامخة الممتدة إلى الأزل عبر السلاسل الريفية أو الأطلسية.

ومهما علت أصوات بعض الغلاة من أصحاب النزعات اللغوية واللهجوية الانفصالية والإقصائية عبر هذه الجريدة أو تلك، أو عبر هذا الموقع أو ذاك فإن ذلك لن يستطيع أن يغير من حقيقة هذا المشهد شيئا.

ومنذ أن من الله على المغرب بنعمة الإسلام أصبحت اللغة العربية الفصحى أحد المعالم الكبرى المحددة لكيان المغاربة، مثلهم مثل باقي الشعوب العربية والإسلامية الأخرى، وقيمة مضافة إلى جانب ما قد يتقنوه بامتياز من لهجات محلية، أو لغات أجنبية.

والذي يقرأ تراث المغرب الغني في جوانب العلم والفلسفة والتاريخ والأدب والعمران يدرك مدى أهمية اللغة العربية في تشكيل وعي ووجدان المغاربة الجمعي، وفي التعبيرالقوي الفعال عن حقيقة كيان المغاربة قاطبة، بغض النظر عن سلالاتهم وانتماءاتهم القبلية أو الجغرافية المتنوعة بين سهل وجبل، وبر وبحر، وخصب وجدب.

ويدرك أيضا حقيقة الأدوار الكبرى المتبادلة بين مختلف شرائح وأطياف المغرب في صناعة الحضارة المغربية على أكمل وجه من وجوه التضامن والالتحام، وهذا طبعا بغض النظر عن اختلاف ألوان البشرة وتعدد اللهجات واللكنات أيضا,

وقد يكفي هنا كدليل، أن نستحضر اللحظة المشرقة من حكم الموحدين ( خلال القرنين السادس والسابع الهجريين)؛ فقد انصهر في الحضارة الموحدية مجهود العرب الوافدين من الشرق والأندلسيين والمغاربة المحليين ذوي اللسانين: العربي والأمازيغي دفعة واحدة.

ومع أن الأمازيغية لم تكن مكتوبة خلال العهد الموحدي، كما كان حال اللغة العربية الفصحى، غير أنهم كانوا يأمرون بترجمة رسائلهم وخطبهم شفهيا إلى الأمازيغية.

وهذا ما عبر عنه بعض المؤرخين آنذاك بعبارة ( قال فلان أو خطب فلان باللسان الغـَربي) يقصدون بذلك اللسان الأمازيغي وليس الأوروبي كما هو في المفهوم السائد في وقتنا الحالي لكلمة (الغرب).

ومع أن التداول الشفوي للآداب والفنون الشعبية (اللهجوية) المحلية من الزجل والملحون والموشح قد بلغ مداه خلال العصر الموحدي أيضا غير أن حظ المكتوب منها بقي في حكم العدم. وقد اعتذر عبد الواحد المراكشي في كتابه التاريخي المشهور ( المُعجب) عن إيراد أي نموذج من فن الزجل أو الملحون بحجة أن العادة لم تجر في عهده إلا بتدوين ما هو عربي فصيح.

ونحن في هذا الإدراج لسنا بصد الدفاع عن اللغة العربية أو التحيز لها ضد أي استعمال لغوي أجنبي أو لهجوي محلي، لأن اللغة العربية تحمل في داخلها مقومات لا حصر لها للبقاء والتعايش والاستمرار مهما ما يمكن أن يتراكم عليها من غبار أو صدأ.

وإنما نريد فقط أن ننبه إلى ما يمكن أن تشهده اللغة العربية من تراجع بسبب ما يعرفه المشهد الإعلامي السمعي والبصري والتدويني داخل بلد المغرب خاصة وفي الأوطان العربية كافة، من ميل متزايد إلى تغليب اللهجة والأسلوب المحلي الدارج.

كما أن ضعف التعبير باللغة العربية الفصحى أصبح ظاهرة عامة مقلقة ومحرجة في صفوف التلاميذ وحتى لدى طلبة الجامعة المنتسبين إلى تخصص اللغة العربية وآدابها فضلا عن غيرهم، بسبب التساهل المفرط في قواعد اللغة العربية من نحو وصرف وإملاء، فضلا عن سيادة ثقافة التسطيح والبذاءة عبر كثير من الصحف والجرائد ومئات من القنوات الفضائية العربية الترفيهية التي تبث عبر مدار الساعة أطنانا من رسائل ( التشات) التافهة الركيكة التي تنحت في جوانب الفصحى كما ينحت السيل في الصخر.

وليت المشكل بقي محصورا في أمر تراجع استعمال اللغة العربية الفصحى بين المدونين العرب وغيرهم من المستعملين لها أمام البدائل الكثيرة المتاحة أمامهم، وإنما سيتعداه إلى تراجع مماثل في التواصل بين المواطنين العرب داخل البلد العربي الواحد، وبين البلدان العربية كافة، عندما سنحتاج في يوم من الأيام إلى سفير أو ترجمان عند حلولنا بهذه المدينة المغربية أو تلك أو بهذا البلد العربي أو ذاك.

فاللغة العربية التي نزل بها القرآن الكريم ستبقى، في الحدود الدنيا لمطامحنا، أهم ضامن لوحدة الشعوب العربية من محيطها إلى خليجها، وخاصة عندما يُفقد الأمل في حكامنا وساساتنا ومن آل إليه تدبير شؤوننا في الحال والمآل للم شعث هذه الأمة.

Written by عبد اللطيف المصدق

سبتمبر 17, 2008 في 3:41 م

أرسلت فى مشهد التدوين العربي

وسوم الموضوع

التفاوت اللغوي في التدوين العربي

أضف تعليق »

كتب يوم الأحد,كانون الأول 02, 2007

كثرت المدونات العربية كثرة هائلة في هذه الأيام، ولم يعد الوقت يكفي إلا لتصفح القليل منها.

وإن كثرة المدونات لا تعني بالضرورة ارتفاع الوعي بجدوى التدوين وبفاعليته وبقيمته داخل المجتمع العربي، إلا في الحد القليل المفيد منها مما يمكن أن يبقى مع مرور الوقت، ويصمد في وجه عمليات الفرز والتخير والغربلة، إذ لا يصح في نهاية المطاف غير الصحيح؛ فالعبرة دائما تكون بخواتم الأمور لا ببداياتها رغم الصعوبة المقررة لكل بداية.

فكثير من المدونين تعثرت أقدامهم مع أول إدراج يتيم أرسلوه، ومنهم من نفدت مواد كلامهم وانقطع حسهم بسرعة بعد مضي شهر واحد أو شهرين…. وكأن أقصى ما يتمناه بعض من التحقوا بقطار التدوين تسجيل حضورهم العابر على الشبكة العنكبوتية، لا مواصلة رحلة التدوين حتى تنضج وتبلغ أقصى غاياتها الممكنة..

إن انتظام حضور المدون الراشد الواعي بذاته وبمحيطه، على الساحة العنكبوتية يشعره في كل يوم بمزيد من المسؤولية، ويحثه دوما على النقد الذاتي والمراجعة التصحيحية ليفيد ويستفيد…

كما أن التماسك اللغوي في الإدراجات أو في عموم المدونة يدل على التماسك الفكري والترابط المنطقي لنهج صاحب المدونة ذاته، وعلى وضوح الرؤية بين عينيه، وعلى عمق الخبرة لديه لأن صحة التفكير من صحة العبارة، كما أوضحنا سابقا في كثير من الإدراجات التي خصصناها لقضايا التدوين.

ومع الأسف الشديد فإن التفاوت اللغوي في عالم التدوين العربي يبقى الظاهرة البارزة التي تؤشر على خلل كبير نتساهل في شأنه ونتسامح في حقه في كل يوم، وقلما نبه أحدنا إليه.

ولقد قرأت كثيرا من مدونات الإخوة (المغاربيين) باللغة الفرنسية فوجدتها أكثر انتظاما في خطها اللغوي ونهجها الأسلوبي، وكأنها صادرة عن شخص واحد أجنبي يتقن أصول لغته…

وفي الوقت نفسه أقرأ كثيرا من المدونات العربية المشرقية والمغربية، فأجد التفاوت اللغوي فيها حاضرا بقوة يكاد يقطع أوصالها ويجعل منها جزرا مفككة معزولة، وكأنما كتبت بلغات عربية متعددة.

ولعل استشعار صعوبة التدوين باللغة العربية هو الذي يدفع بكثير من المدونين العرب إلى الكتابة بالإنكليزية أو الفرنسية أو بغيرهما من اللغات العالمية، رغم أن حظهم من تعلم العربية كحظهم من تعلم باقي اللغات، سواء بسواء، إن لم يكن أكثر…
وهذا مع استثناء تلك الفئات االعربية المتنفذة من حيث السياسة والوجاهة التي اختارت أن تـُمحى شخصيتها العربية وأن تذوب كليا في التغريب حتى ارتضته منهجا عاما في سلوكها الحياتي والفكري واللغوي…

وهناك طائفة أخرى وسطى من المدونين العرب تكتب في الظاهر باللغة العربية، غير أن تفكيرها في الباطن، يكون بلغة أجنبية. ومن هنا فإن كثيرا من المدونات العربية تكاد تكون نسخا لبعض المدونات الغربية النمطية، أو ترجمة حرفية ركيكة لكثير من الجمل الإنجليزية أو الفرنسية المتداولة، على غرار كثير من القنوات الفضائية العربية وبرامج تلفزيون الواقع التفاعلية التي غزت البيت العربي، وبدأت تعمل على خلخلة ثوابته وتفكيكه، هو الآخر، من الداخل والخارج….
فالتفكير بلغة غير الكتابة عن ذلك الفكر نفسه بلغة أخرى، وحتى في مجال فن الترجمة الخالص فإن الأمر يقتضي أن تكون معرفة المترجم بلغة الانطلاق كمعرفته بلغة الوصول سواء بسواء.

فالمعروف، ولتوضيح هذه الفكرة أكثرحول هذه المفارقة اللغوية في التدوين العربي، أن للجمل الإسمية والجمل الفعلية العربية قوانين خاصة تضبطها. ويأتي على رأسها القانون الذي أطلق عليه النحاة اسم “الصدارة”؛ ومعناه: أن الفعل في الجملة الفعلية سابق دوما على الفاعل وأن المفعول به متأخر دوما عنهما، وكذلك الأمر في الجملة الإسمية حيث يتأخر الخبر عن المبتدأ، ولا يجوز تأخير ما حقُّه أن يقدم إلا لأمر بلاغي خاص.

ومع الأسف، ومع أن أكثرنا يحفظ كثيرا من قواعد الجمل العربية الفعلية والإسمية، فإن قانون الصدارة هذا مخترق إلى أبعد الحدود في كثير من المدونات العربية، بل قد لا يـُعتد به نهائيا. مما يجعل منها امتدادا للمدونات الأجنبية ومفتقدة للخصوصية العربية الأصيلة، ومن هنا منشأ هذا الاختلاف والتفاوت اللغوي بينها.

وأما إذا تحدثنا عن قانون الوصل والفصل الذي يحكم نظام الجمل والفقرات العربية فحدث ولا حرج، بحيث تبدو بعض الإدراجات ككتلة عشوائية من الخيوط الكلامية المتشابكة التي لا يعرف طرفها الأول من الثاني. وكأن صاحبها يكتب في الأصل جملة واحدة أفقية من أول السطر إلى نهايته، أو من بداية الصفحة إلى نهايتها، بحيث يستحيل مع هذا الوضع اللغوي المتراكم تبين الحدود بين جملة وجملة، أو بين فقرة وأخرى.

فالأصل في الكتابة العربية، أن تكون الجمل فيها قصيرة ومفيدة بذاتها و بغيرها بحكم السياق العام، مع تجنب الجمل الاعتراضية والحشو اللفظي قدر الإمكان.

ومما زاد من استفحال أمر التفاوت، هذا، التأثير المتزايد للهجات المحلية في التدوين العربي، بحيث يعمل كل مدون على تغليب لهجته بوعي أو يدون وعي. ومن أبرز مظاهر ذلك خلو عبارات كثير من المدونين من إعراب أواخر الكلمات بشكل كلي أو جزئي، وفي بعض الأحيان كتابتهم لبعض الكلمات كما تنطقها العامة في البيت أو الشارع. ومن هنا أيضا، تتولد المفارقة الكبرى بين المخطوط والملفوظ في التدوين العربي. فكثير من المدونين يكتبون الكلمات كما تـُسمع لا كما ينبغي لها أن تكتب استنادا إلى القواعد العربية المضبوطة.

أما عن قواعد الإملاء والصرف فحدث ولا حرج، إلا عند من استقام لسانه بكثرة القراءة وممارسة أسلوب التصحيح الصارم أثناء الكتابة وبعدها حتى يخلصها على الوجه المطلوب.. .

ومما لا شك فيه أن امتلاك ناصية التعبير اللغوي العربي الفصيح السليم أمر شاق. وقد يحتاج إلى تمرس طويل بقراءة النصوص والمتون العربية السليمة الصحيحة قبل حفظ القواعد والنظريات.

ومع الأسف الشديد فإن تعليم اللغة العربية في المؤسسات العربية العمومية يبقى عاجزا عن إنتاج النمط اللغوي التعبيري الفعال، بسبب غلبة جوانب التنظير العقيم والبيداغوجيا الجوفاء على جوانب التطبيق والإنتاج الخلاق. وكأن كل عملية تعليمية عندنا تهدف فقط إلى جلب النجاح في حدوده الدنيا المرتكزة فقط على الحفظ والاستظهار:( بضاعتنا ردت إلينا)، فأنى لها إذن أن تبث في المتعلم روح الفاعلية والانتاج …؟؟

ولو عرضنا على هذا المتعلم نصوصا منوعة بقدرما نعرض عليه من القواعد والنظريات لكان حال اللغة العربية على ألسنة الشباب من المدونين غير الحال.

وأنا هنا لا أقلل من قيمة أي مدونة كيفما كانت، لأن كل مدونة تحمل بين طياتها إشارة ما تتطلب نوعا خاصا من الدراسة والانتباه.

وإنما نطمح فقط إلى تحقيق نوع من الانتظام والوحدة والتكامل داخل لغة التدوين العربي، كما كان الحال في كل الكتابات العربية القديمة. وذلك حال يصعب معه تمييز مجموعة من الكتاب في المشرق أو المغرب عن مجموعة أخرى إلا على مستوى ما يمكن أن يقع بين تلك المجموعات من تفاوت في ارتفاع مستوى جودة التعبير وجماله، لا في تواضعه واختلاله …

Written by عبد اللطيف المصدق

سبتمبر 16, 2008 في 4:03 م

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.