تدوين التدوين

قراءة وتأملات في واقع التدوين والحياة الافتراضية

Posts Tagged ‘العناوين

مسلك المدونين في وضع العناوين؛ (الورقة الثانية)

أضف تعليق »

كتب يوم الأربعاء,آذار 19, 2008

الورقة الثانية : العنوان مبدأ تنظيمي أم وسيلة للغواية والإثارة؟!!.

التدوين الإلكتروني أو الافتراضي هو، في الأصل، بنية تقنية ترميزية شديدة التعقيد والتنظيم. والعنونة جزء أساسي من هندسة تلك البنية؛ فلا يمكن أن نتصور مدونة في شكل كتلة واحدة تتكدس عندها الخطوط والأرقام والصور والألوان والظلال دون وجود عناوين فاصلة بين أجزائها ومكوناتها الأفقية والعمودية؛ فالمدونة تكتسب مرونتها وحيويتها من عناوينها الملائمة لتوجه المدون وثقافته واختياراته وقناعاته وتمثلاته للواقع والأحداث والأشياء المحيطة به.

وتلك العناوين بالنسبة للمدونة كالمفاصل بالنسبة لجسم الإنسان لأنها هي التي تكسبه القدرة على الحركة والمناورة إن أراد الوقوف أو الجلوس أو الانحناء أو التمدد أو الانعطاف. ولولا تلك المفاصل العجيبة في جسمنا لبدونا كقطع معدنية أو كتل إسمنتية جامدة أو أعمدة خشبية قاسية.

وعناوين المدونة الرئيسية والفرعية التي موادها من كلام تصبح لها نفس وظيفة المفاصل التي تكون موادها من عظام، مما يقوي من مرونة عمل التدوين وحيوته وتجدده واتصاله مع بعضه البعض عبر تلك العناوين التي سرعان ما تتحول في البيئة الافتراضية إلى إحالات مرجعية وروابط تشعيبية وأزرار للتحكم. فعند الضغط عليها بمؤشر الفأرة ينكشف ما تحتها من المضامين والصور والإعلانات والبلاغات والخطب والرسائل والرموز والإشارات التفاعلية، وهذا ما يستحيل أن يتوفر في عالم القراءة الورقية.

كما أن هذه العناوين تتحول إلى عنصر جذب رئيسي سواء بالنسبة لمحركات البحث التي تقوم بفهرسة دورية أو روتينية للمدونات والمواقع لعرض آخر العناوين التي قذف بها في وادي السليكون، أو بالنسبة للزوار والقراء الافتراضيين الذين اعتادوا زيارة مواقع أو مدونات معينة أو الذين يعبرون منها بين الفينة والأخرى لمجرد الفضول أو الصدفة.

ومن هؤلاء العابرين بالصدفة من يطيل المكوث عند هذه المدونة أو تلك إلى درجة الاعتياد والألفة إذا اكتشف صدق العناوين التي قادته إليها ومطابقتها لما تحتها من سياقات أو مضامين، ولما توفره من متعة، وخاصة عندما تقترن تلك المتعة بالفائدة؛ وقد سبق لنا في بعض الإدراجات أن تحدثنا عن جاذبية العناوين والموضوعات ذات الحساسية الجنسية أو الحساسية السياسية أو هما معا في عالمنا الافتراضي الكوني عموما والعربي خصوصا.

ولكن، بما أن الكتابة الافتراضية محكومة بالضبط التلقائي للوقت الذي أرسلت فيه على الشبكة العنكبوتية بالدقيقة والثانية، فإن العناوين الجديدة تطغى دائما على العناوين القديمة فتبعدها تدريجيا حتى تختفي تماما من الواجهة الأمامية للموقع أو المدونة. مما يحعل وضع العناوين في المدونة أو الموقع كوضع عناوين شريط الأخبار التلفزيوني عندما يطرد بعضها بعضا ويمحو بعضها بعضا حسب منطق ونسق تعاقب الأحداث وما يطرأ على أرض الواقع في كل يوم أوساعة من مستجدات ومتغيرات.

ومن هنا يمكن أن نقول: إن نظام القراءة الافتراضية نظام مغشوش لأنه يتجه دائما صوب الأعلى لا صوب الأدنى وصوب الظاهر على سطح المدونة أو الموقع لا إلى ما وراء ذلك من الصفحات المطوية. وبعبارة أخرى فعيون القراء الافتراضيين تتجه دوما صوب الجديد لا صوب القديم. لأن مبدأ الطراوة هو المبدأ المعمول به في سوق القراءة الافتراضية كما أشرنا إلى ذلك سابقا. تماما كما في الأسواق التجارية العادية حيث تكون أنظار الزبناء مركزة على تاريخ الإنتاج وتاريخ انتهاء الصلاحية.

وهكذا تبقى كثير من العناوين البعيدة بما تحتها من مواضيع مترسبة في قعر المدونة العميق حتى تجذبها محركات البحث مرة أخرى عبر كلمات البحث المفتاحية التي يمكن أن نشبهها بالطعم الذي يعلقه الصياد في الصنارة لأثارة الأسماك وجذبها من قعر البحر إلى سطحه؛ وهكذا فما أن يدخل أحدنا كلمة مفتاحية في خانة البحث لمحرك كوكل أو غيره حتى تنجذب أعداد هائلة من العناوين الشاردة والمترسبة في قعر بحر الأنترنت العميق.

ومع أن نتائج البحث عبر المحركات الافتراضية يمكن أن تكون مذهلة ومفيدة أحيانا، فإنها كثيرا ما تكون محبـِطة ومخيبة للآمال أحيانا أخرى؛ فقد يرخي الواحد منا شباك بحثه فلا يظفر في النهاية إلا بنزر يسير لا يسمن ولا يغني من جوع لكثرة ما يعلق بمحركات البحث من زوائد وطحالب وغثاء.

فلا زالت محركات البحث تبني على علاقة المشابهة اللفظية والخطية العشوائية بين مواد البحث وعناوين الموضوعات المطلوبة للقراءة، مما يوقع الباحث الافتراضي في حيرة كبيرة من أمره، وخاصة عندما تختلط نتائج البحث عليه ويتراكم بعضها على بعض على امتداد عشرات الصفحات التي ينفد معها الصبر عند التقليب ولا تنفد.

وأعتقد كما يعتقد غيري ممن يهمهم أمر البحث عن العناوين الصحيحة المجدية في هذا العالم الافتراضي الفسيح أنه لن تحل هذه المشكلة تقنيا في الأمد القريب أو البعيد إلا إذا تعلمت أجهزة الحاسبات وبرامجها اللوغرتمية المعقدة من الإنسان كيف تفهم وتفكر قبل أن تجيب عن عناوين البحث الطلوبة بعشوائية وسطحية.

ورغم أن معظم المدونات والمواقع تتوفر على أرشيف جانبي للعناوين حسب النمط الأبجدي أو حسب التاريخ الذي أرسلت فيه الإدراجات، كما أن كثيرا منها يتوفر على محرك بحث مخصص داخل الموقع أو المدونة لتيسير الوصول إلى المواد والعناوين المطلوبة، فإن كثيرا من القراء الافتراضيين لا يلقون بالا إلى الهوامش والإشارات الجانبية المساعدة على التوجيه. ومن هنا يلجأ بعض المدونين إلى تثبيت بعض الإدراجات أو بعض العناوين على رأس الصفحة الأولى من المدونة لجلب الفضول وإثارة الانتباه حتى لو تطاول عليها أمد التاريخ، مما يوحي بأن العنوان يمكن بسهولة أن يتحول عن أهدافه التنظيمية المفصلية التي تحدثنا عنها في بداية هذا الإدراج، وأنه قد يصبح لدى فئة من المدونين والكتاب الافتراضيين وسيلة للخداع والتضليل للفوز بأكبر عدد ممكن من التعليقات والزيارات.

Written by عبد اللطيف المصدق

سبتمبر 20, 2008 في 12:09 ص

أرسلت فى التدوين والنقد

وسوم الموضوع

مسلك المدونين في وضع العناوين؛ (الورقة الأولى)

أضف تعليق »

كتب يوم الجمعة,آذار 14, 2008

الورقة الأولى؛ مقدمة تمهيدية ونقطة نظام أولية:

من يطالع عناوين المصنفات والكتب التراثية العربية القديمة، على اختلاف تخصصاتها الدينية والشرعية والعلمية والأدبية، يلمح مدى حرص أسلافنا عند الكتابة والتأليف على وضع العنوان المناسب في المكان المناسب.

وبما أن العنوان هو أول ما يطالع القارئ فقد أوجبوا على أنفسهم العناية الشديدة به، واشترطوا مطابقته لمضمون الكتاب قدر الإمكان، كما أظهروا عناية خاصة بتنسيقه وتنميقه وإخراجه حتى يثير فضول القراء ويجلب انتباههم ويلوي أعناقهم. وقديما قيل: ( يقرأ الكتاب من عنوانه)، وقيل أيضا: ( علامة الدار على باب الدار).

ولكن، كثيرا ما نصاب بالخيبة عندما ندخل بيوتا يكون ظاهرها غير باطنها، أو عندما نكتشف أن العناوين التي أغرتنا ببريقها ودفعتنا إلى شراء كتاب وتصفح موقع أو مدونة قد بنيت على الغش والخداع والتضليل الذي لا يُجني منه غير الفراغ الممزوج بالحسرة والخيبة على ما ضيعناه من الوقت والجهد عند التصفح والقراءة، (كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا) سورة النور/ آية 39.

وليس العنوان في دلالته العامة إلا اختصارا مصغرا ومركزا للتفاصيل الكبيرة التي تكمن خلفه في صفحة أو في مجلدة أو في موقع أو في مدونة، وكما هو الحال أيضا في كل قصة أو مسرحية أو مسلسل درامي أو حتى في شريط أخبار منسدل أسفل الشاشة. إنه النواة الصغيرة التي تتأصل منها الشجرة الكبيرة، وومظة البرق السريع الخاطف الذي يسبق تدفق الغيوم المنهمرة.

أما قصائد الشعر العربي القديمة التي خلت من العناوين فقد كان بيتها الأول لها بمثابة العنوان. وكان الشعراء يعتبرون افتتاحية القصائد كالمفتاح بالنسبة لكل الأبواب الموصدة؛ فإذا وقع هذا المفتاح السحري العجيب بيد الشاعر تحرر من عقاله وانطلق يعدو في رحاب القول والإبداع بكل طلاقة وعفوية وحرية.

وأما إذا بدأ الشاعر قصيدته من غير افتتاحية مناسبة فإن ذلك يعتبر هجوما غير لطيف على الموضوع؛ كمن يعمد إلى اقتحام بيوت الناس من غير استئذان: إما بكسر الأقفال وفض الأختام وإما بقلع الأبواب وهدم الحيطان أو نسف البيوت من الأساس عنوة وغصبا، كما فعلت أمريكا في العراق عندما محت كثيرا من العناوين الحضارية والتراثية التليدة لهذا البلد المستباح.

وكل واحد منا اليوم في واقع هذه الحياة الافتراضية الجديدة يسعى غاية جهده ليظهر بضاعته التدوينية وخبرته المعرفية والتقنية عند أحد منعطفات الطرق الرقمية السيارة.

وقد غدت المدونات الإلكترونية بمثابة تلك الحوانيت المصفوفة بزخرفها وتلألئها من الخارج، وبضائعها المكدسة على بعضها البعض في الداخل. لكن، ليس على الرصيف الأيمن أو الأيسر من الإسفلت وإنما على طول تلك المسارات الرقمية العالمية المتشابكة.

والقراء والزوار الافتراضيون هم من يعبرون جيئة وذهابا تلك الشوارع الافتراضية العجيبة المتوهجة أيضا بالأضواء والألوان والشعارات والوسوم والممتدة بلا بداية ولا نهاية. وكل واحد منهم يقتفي أثرا لعنوان ما يفتح له إمكانية الجواب عن سؤال أو الوصول إلى هدف إو إلى فهم رأي أو قضية. ومنهم من جاء ليقطف ويملأ السلال، ومنهم من جاء للنزهة العابرة والتملي بطلعة عناوين المدونات وسحنة المدونين البهية وغير البهية.

وعلى العموم يمكن أن نعتبر عناوين المدونات العربية من أهم المداخل الأساسية أيضا لمعرفة وقراءة واقع المدونات العربية من عناوينها الدالة أو غير الدالة، الصحيحة والزائفة.

وإذا فما هو مسلك المدونين في وضع العناوين؛ سواء تعلق الأمر بأسماء المدونات نفسها لحظة ولادتها من رحم فكر صاحبها، أو بعناوين تصنيفاها الجانبية ومحتوياتها الداخلية، وهل يستند المدونون في ذلك إلى خطة مرسومة وترتيب محدد أم أن الأمر متروك لمزاجهم المتقلب ولمحض الصدفة. هذا هو موضوع الورقة الموالية، أما هذا الإدراج فلم يكن إلا إشارات أولية.

Written by عبد اللطيف المصدق

سبتمبر 18, 2008 في 2:13 م

أرسلت فى التدوين والنقد

وسوم الموضوع

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.