Posts Tagged ‘كيف ندون’
كيف تدون وكيف تكتب …؟! (2).
كتب يوم الأحد,كانون الأول 03, 2006
الورقة الثانية: بين الكتابة الورقية والكتابة الرقمية أو التفاعلية.
كلمة (الكتابة) في معناها الحسي الأول تعني الجمع والتقييد؛ فتقول مثلا، كتـَّب الحذاء إذا شده بالسير، وتقول: تكتـَّب الرجلُ إذا جمع عليه ثيابه، وتقول أيضا عن قطعة الجيش الملتحمة المنتظمة كتيبة، كما ورد في معاجم اللغة العربية.
فالكتابة في معناها البسيط تفيد تقييد المعاني وجمعها بوسائل الكتابة المختلفة من خطوط أو رموز أو صور محفورة أو منقوشة أو منحوتة….
ولولا الخطوط لبـَطـُلـَت الشروط كما قال الجاحظ قديما. وقد كان هذا الكاتب الألمعي من أبرز المدافعين عن الكتابة وأكثر من اهتم بصناعة التدوين والتأليف في زمنه، ويكفي هنا أن نحيل القارئ الكريم على مقدمة كتابه الموسوعي (الحيوان) التي دافع فيها دفاعا مستميتا عن الكتابة والكتاب، واستوعب فيها كثيرا من أصول علم الكتابة والتأليف.
وقد لا نحتاج هنا أيضا، إلى تأكيد الأهمية القصوى التي أولاها الإسلام للكتابة، سواء في آيات القرآن الكريم الكثيرة، أو في الأحاديث النبوية الشريفة، أو في مواقف الصحابة والتابعين، كما أننا لا نريد في هذا الإدراج أن نسترسل كثيرا في موضوع الكتابة الورقية لأنه علم قائم بنفسه، وله أصول وقواعد معروفة لدى المهتمين بصناعة الكتاب وترويجه وتسويقه، كما له تداعيات كثيرة بين الكاتب وقرائه ومنتقديه، وقد عنيت بأمر شرحها ودراستها مناهج النقد ونظريات التلقي المعاصرة. وإنما غرضنا الأساسي هنا، أن نتكلم عن الكتابة الرقمية أو التفاعلية.
وهذا الإدراج الذي سأرسله بعد قليل عند الفراغ من تبييضه، هو نفسه نموذج واحد للكتابة الرقمية أو التفاعلية. لأن كاتبه وقراءه الكرام )افتراضيون( أو (رقميون) لا يوجدون عند أطراف كتاب أو صفحة ورقية وإنما عند أطراف أجهزة إلكترونية رقمية موصولة مع بعضها البعض، وتعمل وفق أنظمة متطورة ومعقدة للعرض والبرمجة والحماية والاختزال والتشفير.
ومن هنا، فإن الكتابة الرقمية تختلف عن الكتابة الورقية لأنها مفتوحة على الدوام مادامت حرارة الكهرباء موجودة في الأجهزة، وما دام صبيب الأنترنت متدفقا في خطوط الاتصال. ولذلك فإن مدد الكتابة الرقمية لا ينفذ أبدا مادامت الأجهزة موصولة مع بعضها البعض، بينما مدد الكتابة الورقية قد ينفذ أو يقل أو ينقطع نهائيا؛ عندما تنفد طبعة كتاب ما من سوق الكتب ومن المكتبات، أو عندما يعز وجوده، أو عندما لا يتاح الاطلاع عليه إلا لفئة محدودة أو مخصوصة.
وعندما يتمكن الكاتب التفاعلي أو المدون من إرسال إدراجه بنجاح على الشبكة العنكبوتية تنتهي مهمته مؤقتا. وعندها تنتقل ملكية ذلك الإدراج إلى قرائه ويصبح حاله كحالهم. إلا إذا قرر أن يحذفه أو يحجبه، أو يغير ترتيبه ضمن قائمة إدراجاته، أو يزيد فيه أو ينقص منه أو يغير عنوانه.
فكاتب المدونات يتمتع بقدرة هائلة في التحكم في شكل مدونته وفي نسق إدراجاته سواء قبل إرسالها على الشبكة أو حتى بعد إرسالها، وهذا ما لا يتهيأ للكاتب الورقي الذي يتعذر عليه استرجاع ما نشره إلا بصعوبة شديدة، أو تدارك وتنقيح ما فاته إلا من خلال طبعة جديدة مكلفة للجهد والمال.
وقد ينطبق هذا الوضع أيضا حتى على الكتاب الافتراضيين أو الرقميين المنتسبين للمواقع وللأندية وللصحف الالكترونية عندما تصبح كتابتهم ملكا للموقع أو المنتدى أو الصحيفة، فتبقى مقالاتهم محتفظة بنسقها الأول، ولا تتاح لصاحبها الحقيقي إمكانية استرجاعها مرة أخرى أو تنقيحها أو تحيينها أو سحبها إلا بصعوبة شديدة، أوبإذن خاص من المدراء والمشرفين.
وقد رأيت في الآونة الأخيرة كثيرا من الأدباء والشعراء والكتاب المنتسبين إلى المواقع والصحف والجرائد الورقية أو الالكترونية والمذيعين في المحطات التلفزيونية والإذاعية الفضائية والأرضية ينشئون مدونات خاصة بهم يضعون فيها أعمالهم التي أنجزوها سابقا ويجمعون فيها مقالاتهم التي نشروها أشتاتا .
ولأن التدوين يتيح لصاحبه إمكانيات لا حصر لها للتنقيح والمراجعة الذاتية المستمرة، فأنا أرى فيه مشروعا ثقافيا مفتوحا على الدوام، وأفقا معرفيا جديدا للتعبئة وتوحيد الرؤى وتجميع الجهود المشتتة لو تم استغلاله على أحسن وجه، وخاصة بعد أن بدأت تنضم إليه نخبة من رجال الفكر والأدب والثقافة والسياسة والإعلام في عالمنا العربي.
لكن، هل فعلا يعمل المدونون الكبار والصغار المحترفون والهواة على استثمار هذه الإمكانية على وجهها الحقيقي؟!
ومن هم المدونون الذين يُحملون أنفسَهم عنت المراجعة المستمرة بعد مخاض الكتابة العسير؟!
فأكثر الإدراجات تترك على حالها الأول دون تخليص.
وفي العادة، إن تخليص العمل أصعب بكثير من العمل نفسه؛ فكثير من العمال والموظفين مثلا يغادرون مواقع عملهم دون تثبت أو تأمين لشروط السلامة قبل الانسحاب؛ فلا يحكمون غلق الأبواب والنوافذ والأدراج وأجهزة الحواسب، وكذلك الأمر بالنسبة لمعلم الصف الذي ينسى أو قد يتناسى عمدا مسح السبورة، أو لتلاميذه عندما يتعمدون إسقاط الكراسي أو بعثرتها عند الخروج عبثا واستهتارا، وقس على هذا المنوال ما شئت من سلوك وأفعال، حيث يتبين لك أن تخليص العمل حتى يخلص أشق على الناس من العمل نفسه، رغم أن ذلك التخليص لا يتطلب غير حركة بسيطة تعيد الوضع إلى نصابه.
ونفس المثال قد ينطبق على كثير من إدراجات الإخوة المدونين والمدونات التي يتطرق إليها الخلل من ناحية التتخليص والتمحيص. فماذا يضير المدون إذا منح لإدراجاته وقتا إضافيا ليخلصها من بعض ما علق بها من زوائد وعوالق..!!
لا شك أن مخاض الكتابة مخاض عسير، وخاصة بالنسبة لمن يأخذ الكتابة على محمل الجد، ويتحمل عنت التفكير والتصويب والمراجعة حتى يكتمل نسق إدراجه أو مقاله، في شكله ومحتواه، على الوجه الأكمل.
ولكن الكاتب ليس معنيا بشرح ألم ذلك المخاض العسير لقرائه تعللا أو استجداء للشفقة، حتى لا يضيع عليهم فرصة الاستمتاع والاستفادة مما يكتبه أو يعرضه.
وحال قرائه هنا كحال من يتغذى في مطعم خارج البيت؛ وزبون المطعم لا يعنيه بتاتا أمر الطباخ المسكين إن كان قد تضرر من أبخرة الطعام المتصاعدة وحرارة المطبخ المرتفعة، أو حتى إذا ما احترقت أصابعه عند التقليب وتحريك الطعام في قدر أو مقلاة.
والجلوس أمام جهاز الحاسوب بضوضائه وحرارته وأشعته المنبعثة المضرة بصحة الجسم كالوقوف في المطبخ لساعات طويلة لإتحاف الضيوف والزوار والزبناء بما لذ وطاب من شهوات البطن. وإعداد الإدراجات المنوعة في مضامينها ومقاصدها كإعداد وجبات طعام يومية دسمة أو خفيفة، حارة أو باردة، حسب الذوق الخاص أو تحت الطلب لأشباع شهوة العقل إلى المعرفة، وإمداد الروح بمدد الهدوء والسكينة.
ولا نريد هنا أن نهول أمر الكتابة والتدوين على الناس، ولا أن نضع من قدر المدونين خصوصا والكتاب الرقميين عموما، لكننا نريد فقط أن نقول: إن الكتابة الافتراضية مثلها مثل الكتابة الورقية ومثل أي عمل آخر يحتاج إلى همة عالية وإلى نـَفـَس خاص ينم عن صاحبه، وإلى ذوق وكياسة وخبرة.
وقيمة الإنسان لا تتحدد فقط بما ينجزه من فعل أو قول أو كتابة، ولكنها تتحدد أكثر بما يتقنه من هذه الأشياء أو غيرها ويخلصها على أحسن وجه.
وللحديث عن التدوين والمدونات بقية.
كيف تدون وكيف تكتب …؟! (1)
كتب يوم الخميس,تشرين الثاني 30, 2006
الورقة الأولى: لماذا لا نكتب؟!
أكثر الناس يقرأون ولا يكتبون. وأكثر الكتاب المُـبَرَّزين يقرأون كثيرا ولا يكتبون إلا قليلا.
وإن انعدام فعل الكتابة لدى معظم الناس قد يكون وراءه تهيب أو رهبة من جمهور القراء والنقاد، ولا يعني بالضرورة عدم قدرتهم على إنجاز ذلك الفعل طالما هم قراء مداومون ومتحدثون ومستمعون جيدون في حياتهم العادية والعملية مع جميع أصناف الناس؛ بدء من أفراد العائلة والأبناء والزوجة، مرورا ببواب العمارة والبقال وسائق الطاكسي وزملاء الوظيفة والعمل، وانتهاء بالمدير أو الرئيس أو الوزير وهلم جرا …
والكتابة ما هي إلا امتداد طبيعي لكل أنشطة السماع والحديث والقراءة والمشاهدة التي يمارسها الناس على مدار الساعة، أو هي التتويج النهائي المحكم المنظم لها.
أو هي نوع من الإنصات الجيد الصامت لأحاديث النفس الداخلية ولأصوات الناس الخارجية.
أو هي إملاء يصدر بقوة لاإرادية من ذات الكاتب المنفعلة مع الوقائع والأحدات.
أو هي، بعبارة أوجز، السيطرة على الزمان والمكان وتثبيت حركتهما بين دفتي كتاب من خلال السطور والحروف.
أو هي، باختصار، الحرب المستمرة على الصمت والنسيان…
غير أن لفعل الكتابة ارتباطات وتشابكات أخرى خارجية شديدة التعقيد، وقد تحد من إقدام الناس على الكتابة والتدوين؛ ومن تلك الارتباطات والتشابكات نذكر الخط والإملاء، والنحو والصرف، وعلامات الترقيم، ووسائل الإخراج المتعلقة بتنظيم الفقرات ووضع العناوين المناسبة، والتنسيق والتقديم والعرض والخاتمة، بالإضافة إلى الهوامش التوضيحية والإحالات التوثيقية والصور والإكسسوارات التجميلية من إطارات وألوان وزخارف وظلال وغير ذلك..
وتلك الارتباطات والتشابكات المعقدة تحتاج إلى تدريب وإعداد مسبقين، ولا تحتاج إلى ذلك كله أنشطة التواصل الأخرى من استماع وحديث ومشاهدة لأنها تجري في العادة بطريقة تلقائية، تماما كما يكون حالنا عند تنفس الهواء أو شربنا للماء أو أكلنا للطعام وغير ذلك من مما تستدعيه أمور العادات البشرية وتتطلبه الحاجات اليومية الضرورية أو الكمالية.
اللهم إلا إذا استثنيا من ذلك أداء الممثلين على المسرح وإلقاء الخطباء على المنابر وقراءة المجودين للقرآن الكريم وغناء المطربين وغير ذلك مما يحتاج معه إلى تأهيل وشحذ وتدريب لتقوية الصوت وضبط الأداء.
فالناس عادة ما ينساقون إلى الحديث بسهولة، ولكنهم لا ينساقون إلى الكتابة إلا بصعوبة شديدة. وقد يُـمضي الواحد منا شطرا طويلا من حياته في القراءة وفي الدراسة والتدريس دون أن تتحرك في داخله شهوة التعبير الكتابي، أو يكتشف في نفسه القدرة على التصنيف والتأليف.
وتلك القدرة أو الموهبة كثيرا ما يحجبها الخوف من النقد والتجريح أو المتابعة، أو عدم الرضا عن الذات، أو عدم الرغبة في ترك أي أثر ممتد في حياة الشخص وبعد موته يمكن أن يجعله موضع اتهام أو سوء ظن أو شبهة.
ولقلة الكتاب والمؤلفين والمدونين بين الناس فإن أكثر ما يتحدثون به يضيع في الهواء الذي يتنفسونه، ويـُفتقد في دوامة الحياة اليومية المقلبة قبل أن يضيع نهائيا في غمرة النسيان.
ولحسن الحظ فقد وفرت وسائل التسجيل والتصوير الرقمية الحديثة على الناس إمكانيات لا حصر لها لتخزين المعلومات والمشاهد والذكريات والاحتفاظ بها أطول فترة ممكنة، رغم ما قد يعتريها من عطب وتشويش، أو تلف وخلل.
وتلك الأجهزة التي يصغر حجمها ويتحسن أداؤها وتتضاعف قدرتها يوما بعد يوم، بدأت تحل تدريجيا محل الأقلام والدفاتر، و أخذت توفر على الناس ليس فقط مجهود الكتابة بل حتى مجهود الحديث والكلام أيضا؛ ولذلك تراهم يشاهدون ويطالعون الصور الثابتة والمتحركة أكثر من الحديث والقراءة.
ومما يلاحظ اليوم تضاؤل قدرة التعبير الكتابي والشفوي باستمرار لدى معظم التلاميذ والطلبة بسبب انشغالهم الزائد بتلك الأجهزة التي يحملونها معهم باستمرار, وحتى إلى قاعات الدرس والمدرجات، ويزعجون بضوضائها أساتذتهم وزملاءهم المجدين.
وقد تجد الواحد منهم ضليعا في تحميل أشهر الصور وأحدث النعمات على هاتفه المحمول، وفي وضع برامج القرصنة واختراق مواقع الأنترنت واعتراض البريد الإلكتروني ونهب محتوياته أو تدميره، ولكنه يكون أعجز الناس عن إنشاء جملة صحيحة معبرة ومؤثرة…
وأصعب شيء عليه أن يكتب ابتداء من غير سابق معرفة أو اطلاع، كأن يطلب منه ارتجال حديث، أو اختلاق قصة أو كتابة حوار أو تعبير إنشائي حر…
وألفة الأجهزة الرقمية، على اختلاف أنواعها ورغم وظائفها الحيوية المختصرة للجهد والوقت، بدأت تطغى اليوم كثيرا على ألفة الناس فيما بينهم، بل لقد بدأت تسرق بعضهم من بعض، وتلهي بعضهم عن بعض؛ وأصبح تعلق كثير من الناس بصور نماذج النجوم المصنوعة في السينما وبرامج التلفزيون من ممثلين وممثلات وعارضين وعارضات ورياضيين ورياضيات أكثر من تعلق بعضهم البعض، وأصبح الوقت الذي يمضيه الفرد أمام جهاز التلفزيون أو الحاسوب أكثر من الوقت الذي يفترض أن يخصصه لنفسه ولذويه.
وبدأ البرود الآلي والفتور العاطفي يتسلل تدريجيا إلى النفوس البشرية الشيء الذي يهدد إنسانية الإنسان، ويفرغ محتواها من كل حرارة عاطفية أو نزعة أخلاقية. فهل يتطور الإنسان في اتجاه التنميط الآلي..؟!!
وحتى الأطفال الصغار ما عادت تستهويهم أو تقنعهم حكايات الجدات وسلاسل قصص الأطفال التي أكل عليها الدهر وشرب بقدرما تستهويهم رسوم الأطفال المتحركة والألعاب التفاعلية عبر الأنترنت وأجهزة اللعب الرقمية المثيرة بأشكالها وأحجامها وبأصواتها وحركاتها وألوانها.
وعموما، فقد بدأت جغرافية الصور تزحف على جغرافية الكلام، واختـُـزل جزء كبير من حديث الناس وتاريخهم وواقعهم في الأطياف والألوان ودوائر الكهرباء وشرائح السليكون عوض الحروف والسطور.
وحتى نشرات الأخبار التلفزيونية اليوم، ما عاد لها طعم من غير صور، ولو تعلق الأمر بصور الموت والدم والدمار…!!
وقد تعود المواطنون العرب، منذ سنوات خلت عن احتلال العراق وفلسطين ولبنان، على رؤية بقع الدم وأجزاء الجسد المبتورة الممزقة بالحرب المفروضة من الداخل والخارج وبالعنف البيني والإرهاب المحلي والدولي، حتى وهم على الموائد يزدردون ما لذ من طعام وشراب دون أن تثار مشاعرهم أو تتحرك فيهم ذرة واحدة من حزن أو استنكار أو غضب…!!
وإذن بعد كل ما قدمناه في هذه الورقة الأولى، ما السبيل إلى إعادة الاعتبار إلى الكتابة؟!،
وما هي مقومات الكتابة الناجحة؟!،
وما هو الفرق بين الكتابة الورقية والكتابة الرقمية أو التفاعلية كالمدونات مثلا؟!
عناصر الأجوبة عن هذه الأسئلة هو موضوع الورقة الموالية.
