تدوين التدوين

قراءة وتأملات في واقع التدوين والحياة الافتراضية

خلاصة تجربتي في الكتابة عن التدوين

leave a comment »

بدأت الكتابة عن التدوين العربي منذ ما يزيد عن أربع سنوات، في وقت كانت لازالت مساحة التدوين العربي شبه خالية؛ إذ كان أكثر المدونين بالعربية حينها معدودين معروفين بأسمائهم أو بعناوين مدوناتهم التي تدل على أشخاصهم. وكانت معظم المواقع العربية التي تقدم خدمة الاستضافة المجانية في طور التجريب أو عند إصداراتها الأولى. أما المواقع الغربية فلم تكن تدعم اللغة العربية إلا بشكل جزئي بسيط لا يكاد يُعتد به. وحتى موقع كوكل الغني عن كل تعريف لم يبدأ في دعم التدوين بالعربية إلا مؤخرا، كما أو ضحت ذلك في إدراج سابق.

 ونظرا لتطاول العهد بيننا وبين اللحظات الأولى لظهور التدوين العربي، ربما غابت عن بعض المدونين الجدد الصورة البدائية الأولى التي كان عليها واقع التصفح الإلكتروني منذ عقد واحد أو أكثر من ذلك بقليل، بخلاف ما هو عليه الحال الآن من حيث جودة التقنية ومن حيث السرعة ومن حيث جمالية التنسيق وجاذبية العرض، ومن حيث غنى المحتوى الافتراضي وتنوعه.

 وكنت قد كتبت أول إدراج عن التدوين العربي يوم سادس عشر فبراير شباط سنة 2006. أي منذ أربع سنوات كاملة. وهذه المدة وإن عدت، في حساب الزمن الطبيعي، قصيرة فهي في عمر الزمن الافتراضي أطول مما قد يُظن للوهلة الأولى. فأنا شخصيا أعد كل سنة افتراضية بعشر سنوات عادية. نظرا لسرعة التطور التقني التي تشهدها عوالم الاتصال المرتبط من جهة، ونظرا لحجم الامتلاء الهائل الذي يشهده جوف الإنترنت في كل يوم جديد من جهة ثانية. فأي واحد منا اليوم يستطيع أن يحصي عدد من انضم إليه في الفترة الأخيرة من المدونين بالعربية، من كل قطر ومن كل ناحية ؟.

وكان أول موضوع كتبته عن التدوين العربي تحت عنوان:( حديث المدونات العربية.. قراءة أولية في مشهد التدوين العربي. )، بتاريخ 16 فبراير عام 2006. ومنذ ذلك الوقت إلى يومنا هذا كتبت ما يزيد عن مائة إدراج. وكل إدراج بعنوان مختلف. ويستطيع القارئ الكريم أن يستعرض تلك الإدراجات بعناوينها المختلفة عن طريق رابطيها المباشرين على العمود الجانبي لهذه المدونة تحت فئة (تصنيف)؛ والأول منهما تحت عنوان:(عن التدوين والمدونات)، أما الثاني المتمم للأول فتحت عنوان: (من وحي الإنترنت).

ولا شك أن الارتباط بين الحديث عن التدوين وبين الحديث عن الإنترنت قوي ومتين، ولايمكن أن تفك أواصره؛ فهو ارتباط الخاص بالعام وارتباط الجزء بالكل؛ فالتدوين جزء صغير معلق في سماء العوالم الافتراضية، وهو نتاجها وابن جلدتها إن صح لنا هذا التعبير. ولما كانت موضوعات التدوين مختلطة بغيرها من الموضوعات العامة التي شغلتني طوال هذه المدة من عمر هذه المدونة (كلمات عابرة) فقد أفردت لقضايا التدوين مدونة خالصة تحت عنوان: (تدوين التدوين). ويمكن استعراضها أيضا من خلال الرابط التالي.

 وقد كانت خطتي في التدوين، باختصار شديد، تقوم على خمسة أهداف أساسية:

 الهدف الأول: اختيار العناوين الدالة القادرة على اختزال التفاصيل الكبرى لواقع التدوين العربي ولتجاذباته المختلفة التي تبتدئ من المدون نفسه ومن انفعالاته الذاتية وتنتهي عند تفاعلات الآخرين والمجتمع. وعسى أن تتوضح الرؤى أكثر حول هذه العناوين والمضامين من خلال جهود زملائي في التدوين، خاصة بعد ظهور مواقع ومدونات ومنتديات عربية خاصة بقضايا التدوين العربي في الآونة الأخيرة.

الهدف الثاني: تبسيط المفاهيم عند تحليل الظواهر وعرض المشكلات بهدوء ورزانة بعيدا عن التطاحنات والحسابات ومن غير صخب أو جلبة.

 الهدف الثالث: تقريب المسافة بين المدون والقارئ وحثهما على التفاعل الإيجابي بحيث يمكن لهما أن يتبادلا الأدوار ويؤثر أحدهما في الآخر، وبحيث تكون علاقتهما منتجة ومجدية وغير عقيمة أو غوغائية.

الهدف الرابع: الرفع من مستوى التدوين العربي شكلا ومضمونا، حتى لا نفسح المجال أكثر للعابثين والمجانين والمستهترين الذي يعيثون في الفضاء الافتراضي العربي فسادا وانحلالا وانحطاطا.

 الهدف الخامس: تيسير العربية بجعلها أداة حية طيعة سلسلة وأنيقة في يد المدون، كما كانت سابقا لدى فطاحل الكتاب والمؤلفين العرب. أوليس التدوين اليوم، إحدى طرق التأليف والكتابة ولكن بصيغة جديدة استطاعت أن تفرض نفسها وتشق طريقها نحو عوالم النشر الورقي أيضا. فليس هناك كبير فرق بين ما حاوله أسفلافنا وبين ما نحاوله، وبين ما راودهم وبين ما يراودنا الآن من شؤون وشجون، وإنما العبرة في كل وقت، بالإنسان نفسه من حيث هو إنسان، وليست العبرة فقط بالمكان والزمان وبمن تقدم أو تأخر…

وأنا عندما جئت إلى عوالم التدوين كنت أحمل معي همومي وهموم غيري، وفي جعبتي منتهى أملي وما وصل إليه علمي وفهمي وخيالي… وعسى أن أكون بهذه المدونة المتواضعة قد أفدت، وإلى واقع التدوين العربي قد أضفت. وأن يكون ما أدرجناه فيها مما يحسب لنا لا علينا. وشكري سيظل موصولا أبد الدهر، كما أسلفت في المقدمات إلى كل من زار أو علق أو تواصل وراسل.

Written by عبد اللطيف المصدق

فبراير 15, 2010 at 5:48 م

أرسلت فى مسار التدوين

وسوم الموضوع

الطابور الرقمي

leave a comment »

الطابور معناه: الصف. وقد رجعت إلى معاجم اللغة العربية القديمة لأبحث فيها عن كلمة (طابور) فلم أقف لها على أي أثر. وكلمة الصف التي تقابل الطابور كانت هي المتداولة في الكلام العربي القديم بمعان كثيرة ورد بعضها في القرآن الكريم وفي الحديث النبوي الشريف وفي مأثور الكلام العربي. انظر مادة (الصف) أو (صفف) في القواميس العربية…

ويبدو أن كلمة (طابور) من الكلمات المعربة التي راجت في الاستعمال اللغوي العربي المعاصر، شأنها شأن كثير من الكلمات الدخيلة التي تسربت إلى اللغة العربية من الفارسية أو التركية إبان تغلب الفرس والأتراك على كثير من البلدان العربية بالمشرق وبعض بلدان المغرب العربي الكبير. ولعل أصلها هو (تابور) بالتاء، وإنما قلبت التاء طاء لتتناسب مع طبيعة اللسان العربي الذي يجنح إلى التخفيف.

وكلمة الصف قديما أو الطابور حديثا تعني: السطر المستوي من كل شيء معروف، وجمعه صفوف، كما جاء في لسان العرب لابن منظور. أما كلمة طابور فيجمعها البعض على طوابير قياسا على قواعد الميزان الصرفي العربي.

ويستفاد من معنى الصف أو الطابور أمران مهمان: الأمر الأول هو التكديس أو التجميع، والأمر الثاني هو الترتيب أو الاستواء. فالعنصر الواحد لا يمكن أن يصنع صفا أو طابورا، والترتيب أمر ضروري حتى يستقيم معنى الصف أو الطابور؛ ومكان كل عنصر من الطابور وسط بين السابق واللاحق.

ويعبر عن معنى الطابور في اللغة الفرنسية بكلمة: ( la queue)، وتعني في لغتنا العربية: الذيل. ولم يشرع في استعمال مفهوم الطابور إلا في وقت متأخر من تاريخ فرنسا إبان الثورة الفرنسية كما يفهم من خلال هذا الرابط.

غير أن لكلمة طابور أبعادا دلالية أخرى تستعمل في المجال العسكري وفي لغة التحليل السياسي، عندما يجري الحديث عن الجواسيس والعملاء والمندسين الذين يعملون لصالح العدو فيشار إليهم في أدبيات اللغة السياسة بعبارة الطابور الخامس والسادس…

وإذا انتقلنا إلى لغة الحاسوب والبرمجة الرقمية فإن كلمة طابور تفيد أيضا ترتيب الأشياء في نسق متوال؛ فيكون أول شيء يدخل الطابور هو أول ما يخرج منه، وآخر ما يدخله هو آخر ما يخرج منه. ويتعلق الأمر هنا ببنية البيانات الرقمية المتراصة عند إدراجها.

ويمكن تخيل الطابور الرقمي لتوضيح الصورة بمجموعة من الصحون المرتبة فوق بعضها البعض؛ فأول صحن يوضع سيكون آخر صحن يمكن أخذه إذا كانت الصحون تأخذ من الأعلى، وآخر صحن وضع في الأعلى سيكون أول صحن يمكن آخذه. أنظر موسوعة ويكيبديا الحرة لمزيد من التفصيل..

وهذه الصورة تنطبق أيضا على نسق بناء المواقع والمدونات، حيث تتوارى أولى إدراجاتها بعيدا، بينما تظهر آخر الإدراجات على الواجهة أو على الصفحة الأولى. وكأن الإدراجات هنا شكل آخر من الطوابير، فإذا ما حذف إدراج واحد منها فإن الإدراج التالي يحتل مكانه ويقترب درجة واحدة من السطح..

ويمكن للمدون أن يتحكم في طابور إدراجاته كيفما شاء، ويمكنه أيضا أن يظهر جميع الإدراجات على الصفحة الأولى، على شكل ذيل طويل. غير أن هذا الأمر متعب للمتصفح الذي ربما احتاج إلى وقت طويل حتى تظهر جميع الإدراجات دفعة واحدة، وخاصة إذا كانت هذه الإدراجات تعد بالمآت، فما بالك إذا كانت بالآلاف ونتاج سنين عديدة. ولذلك فإن أغلب المواقع والمدونات تكتفي بإظهار آخر الإدراجات، أما الإدراجات المتوارية فيمكن إظهارها أو استدعاؤها إلى الواجهة من خلال الضغط على زري: السابق والتالي، أو من خلال عناوينها المباشرة أو روابطها المختصرة.

غير أنه بإمكان المدون أيضا تثبيت بعض الإدراجات في مقدمة الصفحة دونما اعتبار لترتيبها وموقعها من طابور الإدراجات إذا كانت مميزة ومرغوبة من لدن الزوار، كما أنه بإمكانه أن يجعل ظهور إدراجاته عشوائيا حتى يأخذ كل إدراج نصيبه من الظهور والاختفاء، إلى غير ذلك من الخيارات التي تتيحها تقنية العرض الرقمي.

وإذا رجعنا إلى الطابور العربي التقليدي المعروف بطابور المصالح والعيش؛ كطابور الخبز وطابور الهوية وطابور الوثائق الإدارية وطابور المدرسة وطابور النقل العمومي وغيرذلك من الطوابير التي لاتعد ولا تحصى فإننا نجد لها حكايات طويلة ممتدة كالطوابير نفسها، في ذاكرة كل واحد منا، وهي تتلون بألوان عادات مجتمعنا المرضية الكثيرة التي تجعل العقلاء والنزهاء منا لا يطيقون الوقوف في الطوابير الحكومية الطويلة لما يشوبها من اختلال واعتلال، مردهما فساد التربية الطابورية لدى نوع من المواطنين المصابين بتضخم الأنا ممن يحلو لهم اختراق الصفوف والقفز على الرقاب ولي أعناق البسطاء دون استحياء ومن غير وجه حق، عتوا واعتدادا بعلاقاتهم الزبونية ونزعاتهم الوصولية المشبوهة…

لكن، ومع إدخال تقنية الطابور الرقمي في كثير من الدوائر والمصالح العمومية العربية بدأت محنة المواطن العربي مع الطوابير تخف تدريجيا في انتظار أن يعمم الطابور الآلي في كل مصلحة عامة أو خاصة.

والحمد لله أن الناس ما عادوا يرتبون أنفسهم في الطابور وفق الهوى والمزاج، بل أصبح الموزع الآلي هو الذي يرتبهم ويعطي كل واحد منهم بطاقة الانتظار المرقمة على التوالي.
ولم تعد عيون المراجعين وأصحاب المعاملات المختلفة على من اندس في الطابور خلسة كأنه عميل محسوب على الطابور الخامس أو السادس، بل على شاشة العرض الرقمية التي لا تميز زيدا من عمر، وكل الرؤوس الآدمية المرقمة لديها سواسية.

ما أعجب إنسان هذا العصر الذي يستحي من الآلة فيذعن لأوامرها، ولا يستحي من الخالق عزو جل ناهيك عن المخلوق، ولا ينصت لصوت ضميره ولا يستجيب لصولة الحق..!!

Written by عبد اللطيف المصدق

فبراير 11, 2010 at 9:40 م

أرسلت فى من وحي الإنترنت

وسوم الموضوع

التكوين المعرفي في خضم التصفح الإلكتروني السريع

leave a comment »

التكوين المعرفي في كل زمان ومكان مطلب روحي لرفع بعض حالات الغموض عن العوالم الخفية للذات الإنسانية الفردية ولمحيطها الجمعي العام.

ومنذ القدم شُدت الرحال نحو الآفاق البعيدة للتزود بالمعارف الإنسانية وقطف ثمار العقول البشرية حيثما وجدت. وقد استرخص المرتحلون والمغامرون الأولون في سبيلها أرواحهم وأموالهم، لتبقى خطوط الاتصال المعرفي الإنساني متصلة في الزمان والمكان عبر رسائلهم ومذكراتهم ومصنفاتهم. وإن بقي تداولها في الزمن الأول البعيد عنا محصورا في فئة عالمة مخصوصة قليلة.

أما اليوم، ومع وصول خطوط الاتصال المعرفي إلى كل بيت عبر صبيب الإنترنت المتدفق طول الوقت، فقد أصبح بإمكان كل واحد منا أن يؤسس مملكته المعرفية الذاتية وينشئ مكتبته الافتراضية الخاصة، على حاسوب متصل أو مجرد ذاكرة فلاشية تندس في الجيب مع قطع النقود وسلسلة المفاتيح.

ولم تعد المشكلة اليوم في تحصيل الموارد المعرفية كما كان الأمر مع أسلافنا، لأنها أصبحت متاحة على الشبكة العنكبوتية بكميات هائلة يفنى العمر بأكمله في تحصيلها والسعي وراءها قبل أن ينفد أو ينقطع القليل منها، وإنما المشكلة الكبرى في تدبير تلك المعارف وجعلها ملائمة لمتطلبات الوقت ولحاجات النفس الضرورية قبل الكمالية.

وهكذا، قد يمضي الواحد منا شطرا كبيرا من حياته اليومية في ملاحقة جديد الكتب والصور والتسجيلات الصوتية والحوادث والمفارقات العصرية وحتى النكت اليومية الطرية، عبر المواقع وعبر محركات البحث الإلكترونية، ولكنه لا يمضي إلا وقتا قليلا في القراءة أو في المشاهدة أو في الاستماع، فيضيع على نفسه فرصة التغذية الروحية المفيدة أو الممتعة، وذلك بتثبيتها حيث يمكن أن تتنزل في العقل أو الوجدان…

وفي العوالم الافتراضية، ورغم تجددها المستمر عبر التحديث اليدوي أو الآلي للمواقع والصفحات الإلكترونية، يبدو كأن المعارف المودعة فيها تذبل أمام أعيننا بسرعة، كما منتجات الحليب ومشتقاته المحفوظة بتقنية عالية في رفوف الأسواق التجارية الممتازة، ربما لأن كل شيء فيها محكوم بالسرعة المتزايدة في كل يوم؛ سرعة الاستهلاك قبل بوار منتوج الحليب الطري، إن فات أجله الموعود ولم يعد طريا، وسرعة الصبيب وسرعة استجابة الحواسيب عند فتح النوافذ أو إغلاقها وسرعة اليد التي تتحكم في الفأرة أو في المجسات الإلكترونية على شاشات العرض الزجاجية الملساء من غير أزرار أو نتوءات، وسرعة حدقة العين لدى التصفح والتقليب، وسرعة القفز المستمر عبر المواقع والصفحات الإلكترونية كما يفعل النسناس في الغابة عندما يتنقل بين أغصان الأشجار بحركاته البهلوانية العشوائية…

وربما لهذه الأسباب ولغيرها من العوامل الأخرى الخاصة بكل متصفح على حدة، قد يصعب علينا اكتساب أو فرض عادة مضبوطة مدروسة سلفا لتصفح عقلاني منظم مثمر، لأن العوالم الافتراضية هي في حد ذاتها عوالم غير منطقية، وهي مبنية في جزء كبير منها على العشوائية، عشوائية ترتيب المواقع وعشوائية البحث الإلكتروني الآلي الذي ما زال يعتبر أبناء عبد الواحد، عند البحث عنهم على الشبكة العنكبوتية، كأنهم شخص واحد.

وأخطر ما في الأمر أن الجزء الأكبر من وقتنا يضيع في التصفح والتحليق الافتراضي الذي قد يستمر بنا لساعات طويلة دون أن ننتبه حتى يأخذ منا التعب مأخذه الشديد، فنغادر منصة حاسوبنا المتصل، دون أن نجني فائدة كبرى باستثناء متعة التحليق الهوائي التي تبهرنا وترينا كل شيء من فوق وكأنه قريب منا فإذا هو بعيد، وحتى إذا ما حاولنا استرجاع ما اطلعنا عليه سابقا لم نظفر إلا ببقايا صور مجتزأة وكلمات مقطعة لا يستقيم معها سياق جملة واحدة مفيدة.

وربما هذا حال ناشئتنا اليوم إذا لم نبالغ في التشاؤم؛ فهم يدعون المعرفة بكل شئ يخص تقنية الأزرار ومناورات ألعاب الفيديو، ولكنهم قد لا يعرفون شيئا كبيرا وراء ذلك كله فيما يخص تجارب الحياة اليومية وحقائق التاريخ الغابر.. وقد يكفي أن تمتحنهم بقطعة إنشاء أو شكل نص أو إعراب جملة عربية بسيطة أو تسألهم أسئلة تاريخية أو جغرافية أو دينية….

وقد بدأت كثير من سلبيات التصفح الإلكتروني السريع تنتقل إلى مجال التصفح الورقي لتعدي حتى المدمنين سلفا على قراءة الكتب الرصينة والمجلات المحكمة ؛ فأصبح أكثرنا ـ نحن المخضرمين ـ لا يطيق قراءة المقالات الصحفية الطويلة وإنما يكتفي بعناوينها ورؤوس أقلامها.

وإذا كنا نحن اليوم لا نصبر الصبر القليل على قراءة عمود واحد مع أننا حديثو العهد بالتكنلوجيا، فمن أين سنأتي بالصبر الجميل حتى نتحمل عبء قراءة كتاب أو باب كامل دفعة واحدة فيما سيستقبل من الأيام عندما ستعم التكنلوجيا وتتحكم في كل حركاتنا وسكناتنا؟..

أظن أن ظاهرة التصفح السريع تنذر بظهور نوع جديد من الأمية الخفية؛ فالمعارف الجديدة لخفتها وسرعة ذوبانها واختفائها قبل الانتفاع بها تنجذب نحو السطح دون أن تتشربها الأرواح والعقول والقلوب، وحيث يمكن أن تتنزل وتحدث الأثر الباقي الساري المفعول.

كنت ولا زلت أومن بأن التصفح الإلكتروني السريع كالرؤية من نافذة القطار الضيقة، تريك أشياء كثيرة ولكنها في الحقيقة لا تريك شيئا، إلا من أحب النزول والسعي بالأقدام والمكوث الطويل عند كل مشهد أو عند كل محطة.

Written by عبد اللطيف المصدق

فبراير 4, 2010 at 6:34 م

مفاتيح الولوج الرقمية؛ سِر أم خصوصية…؟!!

leave a comment »

هناك في حياة الإنسان الواقعية ما يستدعي التكتم، حفاظا على نوع معين من إيقاع الحياة، وصونا للبيت الأسروي الصغير ولأركان المجتمع الكبير من الهدم في بعض الأحيان، وعونا على قضاء مآرب الدنيا الشخصية بالنسبة للأفراد، في أكثر الأحيان.

ولا حاجة بنا هنا إلى ذكر الحكم وسرد القصص المرتبطة بهذا الموضوع الخطير لأنه إذا ما اشترك في السر الواحد شخص ثان، ولو كان شقيق الروح وتوأم النفس لم يعد بالإمكان أن يقال عنه سرا.

وهناك حدود كبيرة فاصلة بين درجات تملك الأسرار وصونها وبين طرق اكتشافها بالصدفة أو الحيلة، وبين انتزاعها بالغصب والقهر. ويمكن أن نضرب المثال على ذلك بمحاكم التفتيش، وبأجهزة المخابرات في كل دول العالم.

ولك أن نتخيل مؤسسات بهذا الحجم، ترصد لها أضخم الأموال ويعين فيها أعتى وأمكر الرجال مهمتها الأساسية الحفاظ على أكبر أسرار الدولة وانتزاع أخطر الأسرار من الدول الأخرى المتربصة القريبة أو المعادية، ومن الانقلابيين والمناوئين في الداخل والخارج، ومن كل المتهمين والمشبوهين، وحتى من الأبرياء، عندما تختلط الأوراق ويقع الناس جميعهم تحت طائلة س وج …

ولنا في قصة احتلال العراق الشقيق الذي احترق أخضره بيابسه خير دليل على ما نقوله من غير حاجة إلى ذكر التفاصيل المودعة الآن بأمان واحتراز شديدين في البيت الأبيض الأمريكي مستودع كل الأسرار الكبيرة والخطيرة في بلاد العم سام….

وكما أن لكل فرد أسراره فكذلك لكل جماعة ولكل مؤسسة ولكل دولة ولكل مهنة ولكل ما هو موجود في هذا الكون الفسيح. لأن مجرد وجود شيء ما هو في حد ذاته سر من الأسرار….

ومع أن معظم ما في حياتنا الافتراضية مكشوف مفضوح على ملأ الدنيا كلها إلى درجة العهر والعري المبتذلين، فإن وراء كل موقع أو مدونة أو منتدى أو صفحة إلكترونية سر خطير لا يمكن البوح به أو الإعلان عنه أو التلميح إليه، لأنه بمثابة المفتاح والقفل الافتراضيين بالنسبة لكل بواباتها الصغيرة والكبيرة، عند كل فتح أوإغلاق، وعند كل طي أو نشر…

ونعني هنا بالمفتاح الافتراضي طريقة الولوج لإدراج شيء ما على الشبكة العنكبوتية أو حذفه أو تعديله.
ونعني بالقفل تأمين الخروج النهائي من أي صفحة إلكترونية شخصية، بعد إطفاء الحاسوب ومغاردة مكان الجلوس، دون أن نترك الباب أمام الآخرين مواربا أو مفتوحا على مصراعيه ليدخلوا بعدنا ويحتلوا المنصة والمكان…

وليست المفاتيح والأقفال الإلكترونية مواد صلبة من حديد أو فولاذ، وإنما هي حزمة أرقام وحروف تنطبع على نفس واحدة هي نفس صاحبها، وعلى ذاكرة واحدة هي ذاكرة صاحبها دون غيره من الناس، كما ينطبع (كانون) القفل الوحيد حالة كونه مواد معدنية منصهرة على مفاتيحه الأصلية الأولى التي لا يتجاوز عددها أصابع اليد الواحدة عند الصنع…

ولولا وجود منصة الولوج الافتراضية المحمية بالأرقام والحروف السرية السحرية بالنسبة لصاحب لكل مدونة أو منتدى أو موقع أو أي صفحة إلكترونية عادية لعم النهب والسلب بيئتنا الافتراضية، ولما صح لنا أن ننسب كل هذا الكم الهائل من المواقع الإلكترونية لأصحابها الذاتيين أو المعنويين.

ومنصة الدخول الافتراضي المحمية بمثابة الحصن المنيع والجدار المرتفع لتضمن استمرار الحياة الافتراضية بالنسبة لكل المواقع والصفحات الإلكترونية أكبر فترة ممكنة…

ومع الحرص الشديد من قبل المستخدمين للبوابات الإلكترونية عند الدخول إليها أو الخروج منها، فلا يخلو الأمر من المتلصصين والقراصنة والمتجسسين الذين يتتبعون خطوات كل ولوج أو خروج عبر برمجيات القرصنة (الهاكر) قبل كل هجوم أو اقتحام؛ إما لغرض التدمير، وإما لغرض العبث بمحتويات وممتلكات الغير، وأحيانا لمجرد إثبات الذات وتحدي برامج وجدران الحماية العالية التي يرفعها أصحاب المواقع المهمة في وجوه القراصنة وقطاع الطرق الإلكترونية.

ولكن، كثيرا ما تجد بالصدفة أن أحدهم قد ترك بوابة الولوج إلى صفحته الشخصية مفتوحة على المسنجر أو الفيس بوك أو غيرهما من البوابات؛ ويحدث هذا عادة في مقاهي الأنترنت عندما يترك أحدهم مقعده دون أن يحكم إغلاق الأبواب والنوافذ الافتراضية، وكذلك الأمر بالنسبة لأماكن العيش والعمل المشترك، كالإدارات والمصالح العامة والمؤسسات الخصوصية المكتظة بالناس، وحيث يمكن للمدير مثلا أن يترصد ويراقب كل الحركات والمناورات التي يقوم بها الموظفون والأعوان من خلال الحواسيب الموصولة …

وإذا كان من السهل على أي واحد منا أن يختار ما شاء من حروف وأرقام، بعد أن يرتبها بطريقته الخاصة في نفسه، لتكون حزمة مفاتيح ولوجه السرية لبواباته الإلكترونية المختلفة، فإن أصعب ما يلي هذه العملية هو استظهار تلك الحروف والأرقام واسترجاعها بالنسق الأول عند كل مرة.

وإن فقدان سر الولوج إلى المواقع والمدونات والمنتديات أمر وارد ولا يمكن استبعاده لعامل النسيان أو غيره. وربما كان ذلك أحد الأسباب الأساسية لتوقفها، وبقائها على حالة واحدة ثابتة من غير تجديد أو تحديث.

وحدهما النسيان والموت كفيلان بأن يغيرا معالم الحياة الافتراضية في مستقبل الأيام ليغدو جزء كبير منها في حالة توقف أو جمود، إن لم نسلم مقاليد مدوناتنا ومواقعنا وصفحاتنا الشخصية في حياتنا وقبل وفاتنا إلى غيرنا، وتلك قصة أخرى قد لا تكتمل تفاصيلها إلا بعد مرور جيل واحد على الأقل من الآن، ابتداء من هذه اللحظة التي أنهي فيها كتابة هذا الإدراج وأنا على قيد الحياة.

Written by عبد اللطيف المصدق

يناير 22, 2010 at 4:37 م

روابط التدوين؛ من الاتصال إلى الانفصال.

leave a comment »

تمثل الروابط والوصلات في عالم القراءة الافتراضية ما تمثله الإحالات المرجعية في الكتب والمنشورات الورقية.

والروابط تتوجه في المقام الأول إلى القارئ، حيث تتيح له إمكانيات بديلة للتعرف على الموضوع المُحال عليه من زوايا أخرى قد تكون مماثلة أو مختلفة أو مكملة، كما أنها تبرهن على سعة اطلاع الكاتب والمدون معا، وعلى جهودهما في التوفيق بين أفكارهما وأفكار غيرهما.

والروابط والإحالات تتعدى كونها مجرد إشارة مرجعية لتصبح شكلا من أشكال التواصل مع الآخرين، وحثا للقارئ على الانخراط الدائم في مشروع البحث والتنقيب عن أصول المعرفة أنى كانت مصادرها.

غير أن الروابط في عالم الإنترنت، وبغض النظر عن ما يمكن أن تجلبه للقارئ من فوائد معرفية، قد أصبحت مطلوبة في حد ذاتها لأنها تعد الآن من أهم المؤشرات على شهرة المواقع والمدونات والصفحات الإلكترونية…
ويكفي أن تجرب البحث في الشبكة عن أي كلمة أو صورة أو اسم موقع أو مدونة حتى يأتيك كوكل أو غيره من محركات البحث بكافة روابطها العشوائية المتصلة بها بسبب مباشر أو غير مباشر .

ولهذا السبب قد يعمد بعض أصحاب المواقع والمدونات المحترفين إلى استخدام بعض الحيل التشبيكية الخاصة حتى تصبح مواقعهم ومدوناتهم معروفة أكثر لدى الزوار ولدى محركات البحث.

ترى، كيف يتم التعامل مع تقنيات الربط والتشبيك في واقع التدوين العربي؟

في البداية ينبغي التمييز بين نوعين مختلفين من الروابط؛ فهناك روابط داخلية خاصة بكل مدونة على حدة، وهناك روابط خارجية تصل مدونة ما بغيرها من المواقع والصفحات الإلكترونية المنتشرة على الشبكة؛
ونقصد بالروابط الداخلية مجموع الوصلات التي تربط مضامين الإدراجات الجديدة بالقديمة. وهنا تتجلى عناية المدون بنسق مدونته الفكري المنتظم، مما يجنبه الوقوع في الحشو والتكرار.

أما الروابط الخارجية فنقصد بها كل خيوط التشبيك التي تصل مدونة ما بما يناسبها في الخارج مما هو مدرج على الشبكة.
والروابط الخارجية قد تكون من صنع المدون نفسه حينما يعمد عن قصد واختيار إلى نوع معين من التشبيك الخارجي الذي يناسب سلوكه ومنهجه في التدوين، وقد تكون من صنع غيره، ولا يكون له فيها يد. ربما لأن طبيعة موضوعاته تغري غيره بأن يضعوا لها رابطا واحدا أو أكثر على مدوناتهم ومواقعهم.

وإذا كانت الروابط والوصلات بهذه الأهمية، في خلق وشائج القربي بين المدونين، وفي إيجاد عناصر التقارب بين المواقع والمدونات، فينبغي أن تعطى لها الأهمية التي تستحقها بحيث تكون مميزة باللون أو الخاصية، ثم كيف يمكن للقارئ أن يميز بين كلمة مرتبطة وأخرى غير مرتبطة إذا كان بنط الخط واحدا؟!.

وفي العادة فإن اللون الأزرق الفاتح هو اللون الافتراضي المميز للكلمات والفقرات ذات الارتباط الداخلي أو الخارجي، الجزئي أو الكلي..

وكما يمكن للمدون أن يفك الارتباط عن الكلمات والفقرات المرتبطة في أي وقت، يمكنه كذلك أن يغير لونها بما يتناسب مع شكل مدونته. من خلال محرر النصوص، أو من خلال لغة الهوتمييل، إن كانت له معرفة ببعض خصائص لغات البرمجة.

ومع أن الروابط مفيدة للقارئ، غير أن كثرتها في الصفحة الواحدة قد تشتت اهتمامه وتطوح به بعيدا عن السياق العام، وخاصة إذا كانت تلك الروابط عشوائية وليست لها صلة قوية بالموضوع الأساسي.

غير أن ما يحبط القارئ أكثر أن تكون تلك الروابط معطلة، بسبب خلل ذاتي فيها عند الوضع. ولذلك لا بأس إذا جرب المدون روابط مدونته أو موقعه، وتأكد من سلامتها من كل خلل قبل إصدارها. فالروابط مثل الأزرار والمفاتيح السحرية لأنها تنقلنا عند الضغط عليها بالمؤشر الرقمي من موضوع إلى موضوع، وترفعنا من مقام إلى مقام.

غير أن الروابط مثلها مثل أي جسر واصل بين ضفتين موجودتين على الأرض يمكن أن تتعرض في أي وقت للتلف والانهيار بسبب الرياح الهوجاء، وبسبب عوامل التعرية التي تتعرض لها حياتنا الافتراضية أيضا سواء بسواء.

وقد يكفي مثلا أن أحذف مدونتي هذه (كلمات عابرة) بضغطة زر واحدة بالعمد أو الخطأ لتتداعى كل روابطها على بعضها البعض كأحجار الدومينو، ولتتحول صفحاتها المربوطة إلى محركات البحث وإلى المواقع والمدونات الأخرى إلى بياض افتراضي.

وربما كانت أهم عيوب الروابط والإحالات الافتراضية أنها قد لا تصمد كثيرا مع مرور الوقت كما تصمد الروابط والإحالات الورقية المحفوظة بعناية في الصناديق أو في المكتبات، وذلك لكثرة العوارض والآفات التقنية في دنيا الإنترنت.

Written by عبد اللطيف المصدق

يناير 11, 2010 at 10:24 م

عندما ينجرف التدوين العربي نحو أساليب الدردشة والتسالي… !!

leave a comment »

كانت بنية المدونات العربية، منذ اللحظات الأولى لظهورها، بنية نصية في المقام الأول. ولذلك فقد زودتها كافة المواقع التي تقدم خدمات التدوين بمحرر متطور للنصوص العربية.
وبدون هذا المحرر لا يمكن للمدون أن يتحكم في مدونته؛ سواء من حيث شكل وحجم ولون الخطوط والفقرات، أومن حيث الصور واللوحات الخلفية، أو من حيث الروابط والوصلات، أومن حيث كافة الوثائق والملفات المرفقة.

فعمل التدوين، رغم بساطته في الظاهر، يقتضي اكتساب بعض المهارات الأولية في الإعداد والمراجعة. وربما اقتضى الحال معرفة بعض لغات البرمجة الأساسية في مستوياتها البسيطة والمعقدة، وذلك قبل الإخراج النهائي لكل صفحة من الصفحات أو إدراج من الإدراجات.
والمدون مهما بلغت درجته في المهارة والاطلاع والاحتراف فإنه سيبقى دائما أسيرا لكل ما يتجدد في عوالم التقنية على مدار الساعة. خاصة وأن أمر التطور التقني الرقمي لا يمكن أن يوقف له على حد.
ولذلك لا يمكن لأي مدون أن يدعي في هذا المقام الكمال والتمام، وأنه قد بلغ الذروة التي ما بعدها ذروة. كما أنه ليس بوسع أي أحد أن يجحد أهمية التدوين النصي أو ينكر أثره في المحيط العربي العام، سواء في مجال السياسة أوفي الأدب أوفي جوانب الثقافة العامة، وحتى في القضايا التقنية المستجدة.

وقد يكفي للتدليل على أهمية التدوين العربي، باعتباره متنفسا ومستراحا لفئة كبيرة مهمومة مطحونة من الشعب العربي، أنه استطاع في وقت قصير أن يلفت انتباه الرأي العام والخاص، ويثير حفيظة أصحاب القرار في وطننا العربي، حتى أصبحت المدونات مثلها مثل أي صحيفة ورقية معارضة أو منتقدة، عرضة للمصادرة والحجب، وصار المدونون موضع تهمة قد تستدعي سحبهم إلى أقفاص الاتهام، وتقتضي زجهم وراء القضبان، وربما في أحسن الأحوال أداء غرامة مالية قد ينوء بحملها شهورا وسنوات….

غير أن ما أثار انتباهي في هذه الأيام، وبغض النظر عن ما يمكن قوله حول أهمية التدوين النصي في واقع حياتنا الثقافية وعاداتنا العربية، هو زحف صناديق الدردشة والتسالي على مواقع التدوين العربي فيما يشبه العدوى. فإذا حاولت الولوج إلى أشهر المدونات العربية على موقع (مكتوب) مثلا، فإن أول ما يطالعك ويجذب انتباهك هو صندوق الدردشة متصدرا أعلى الصفحة الأولى، ومتربعا على عرش المدونة كله. فهو تاجها وأساسها الذي قد يلهيك عن ما سواه مما هو محشور في بطن المدونة أو مشتت عند أطرافها. ولم تعد فنون الدردشة الفورية مقتصرة على مواقعها المتخصصة المعروفة على الشبكة العنكبوتية، أو على الشريط المنسدل أسفل برامج تلفزيون الواقع العربي فقط، بل لقد دخلت المدونات على خطوط الدردشة الساخنة أيضا. وخاصة بعد أن طورت برمجيات كثيرة وبسيطة خاصة بهذا الغرض.

ويمكن الآن لأي مدون مبتدئ تثبيت صناديق الدردشة بسهولة في أي مكان من مدونته، والتحكم في جميع خصائصها ووظائفها وأشكالها وأحجامها وألوانها في أي وقت. وتتيح صناديق الدردشة لزائر المدونة الفرصة للعثور على أصدقاء كثر موجودين مثله عند الطرف الآخر من نفس المدونة وفي اللحظة ذاتها، مما يشجع على التفاعل والمشاركة، وإن كانت أغلب الحوارات الفورية لا تتعدى عبارات التحية المنمقة، وأكثرها معاد ممجوج يدور في حلقة حلزونية مفرغة فيما يشبه الفراغ والهذيان والعبث.
فليس المهم في هذه الدردشة قيمة الحوارات المتبادلة فيها على سطحيتها وسخفها في أغلب الأحيان، ولكن الأهم هو الشعور الفوري المتبادل بوجود أشخاص كثر حولك أو بإزائك. وربما هذا الذي قد يفسر لنا سر ازدحام الكائنات الافتراضية على مواقع التعارف الاجتماعي الكبيرة ك( الفيس بوك ) مثلا.
والأمر نفسه قد ينطبق على المدونات التي تبيح لزوارها إمكانية التعرف الفوري على الآخرين عبر مربعات ومستطيلات ودوائر الدردشة المختلفة، وإن تم ذلك فيها بشكل مصغر.

ولاشك أن هناك فرقا كبيرا بين التعارف المتراخي على الآخرين عبر التعليق الرزين الذي تتيحه المدونات لزوارها أيضا وبين التعرف الفوري الآني عبر تقنية الدردشة. فالأول يبقى أثره مع مرور الوقت بل يكون محرضا للمدون على الإبداع والعطاء أكثر، كما أوضحنا في إدراج سابق، أما الثاني فيُمحى وجوده إلى الأبد بمجرد حركة شريط الدردشة التلقائي إلى الأمام أو الخلف.

ما أخشاه أن تكون إضافة خدمة الدردشة إلى المدونات حيلة مبيتة من قبل بعض المحسوبين على التدوين العربي لجلب أكبر عدد ممكن من الزوار، وفي ذلك إساءة كبرى إلى شرف التدوين النصي الذي يجتهد فيه أصحابه أيما اجتهاد، وتنقيص من قيمة التدوين الجاد، إن استفحلت هذه الظاهرة أكثر في بيئة التدوين العربي في مستقبل الأيام. خاصة وأن البيئة الافتراضية بيئة معدية، وأن أكثرها يقوم على القص واللصق والمحاكاة والتقليد، وعلى التسطيح والتمييع.

Written by عبد اللطيف المصدق

يناير 8, 2010 at 9:39 م

أرسلت فى مشهد التدوين العربي

وسوم الموضوع

محو الأثر الافتراضي.

leave a comment »

ماذا لو قررت في يوم من الأيام هجر وتطليق العوالم الافتراضية من غير رجعة، وهذا بعد أن تغلق حاسوبك الشخصي إلى الأبد، أو تحطمه في ساعة كبرياء أو غضب، وتجمع كل أجزائه المتبعثرة وأسلاكه المتناثرة في كيس واحد، وتواريه بعيدا في كيس قمامة كجثة هامدة باردة؛ فلا حرارة ولا نبض، ولا وميض ولا صوت.

وهل يكفي لتفر بعيدا عن العوالم الافتراضية أن تشطب اسمك من القوائم البريدية، حتى لا يلاحقك أحد برسائله المؤنسة أو المزعجة أو المستجدية، وتحذف جميع مدوناتك وصفحاتك الرقمية التي ألقيت بعهدتها إلى محرك البحث العملاق كوكل وإلى كل من يدور في فلكه من أناس وأشباح وقراصنة وفيروسات…، حتى لا يعلق على كلامك وهذيانك قارئ مهتم أو متابع مستهزئ أو متطفل مستهتر.

وحتى إذا ما نجحت في هذه المحاولة لاسترجاع بعض ما لم يفتك، فإنك لن تستطيع استرجاع كل ما فاتك افتراضيا؛ أي: إن الذي لم ينقل عنك بعد فهو لازال في عهدتك ويمكنك استرجاعه والتصرف فيه مرة أخرى بالزيادة أو الحذف، أما الذي نقل عنك بعمليات القص واللصق والتشبيك الرقمي المتسلسل المتشعب فقد صار إلى غيرك ولا يمكنك استرجاعه البتة.

إن من يتورط في العوالم الافتراضية كل هذا التورط كاشفا عن وجهه معربا عن حقيقته العارية، ويتوغل فيها كل هذا التوغل بالتدوين الجاد قد يصعب عليه النكوص إلى الخلف والعودة إلى نقطة البداية حيث خط الرجعة، وحيث لا تابع ولا متبوع. فليس ولوج العوالم الافتراضية كالخروج منها إلا أن تكون لصا محترفا في فنون الاقتحام و فك الأصفاد والأقفال الرقمية، أوجاسوسا يتقن علم الفراسة الرقمية عند الرغبة في اقتفاء أي أثر افتراضي لمحقه ومحوه.
وعلى العموم، فليس دخول العوالم الافتراضية اختيارا كالانسحاب منها اضطرارا.

وربما اعتقد البعض منا عند بداية التحاقه بالعوالم الافتراضية أنه إنما أتى إلى هذا الموقع الافتراضي أو ذاك ليجرب إمكانياته التعبيرية والتخييلية في الكتابة لنفسه فقط. لكنه سرعان ما يكتشف أنه قد حلت به العدوى أو بالأحرى عادة الكتابة، وسكنه عفريت البوح والهذيان، وأنه صار يحرق جزء مهما من طاقاته الذهنية والعصبية والانفعالية ليتحف غيره بإدراج مسبوك على إيقاع الحياة اليومية المتجددة، كما هي عادة رشف فنجان شاي أو قهوة.

ولهذا السبب، ربما اعتبر البعض فكرة التدوين من أجل التدوين نوعا من المثالية في هذا الزمن المعولم الموبوء، وقد لا تستحق كل هذا البذل وكل هذا العناء، في وقت طغت فيه الماديات على المعنويات والكماليات على الضروريات وعلت فيه المصالح الفردية على القيم والمثل الجماعية.

ولكن لا بأس، ففي البدء كانت الكلمة، وإن كانت تنبجس من بين الشفاه، واليوم لازالت تلك الكلمة هي الكلمة، وإن صارت تتدفق عبر الأسلاك أو تأتي إلينا من فوق على أجنحة الأثير الافتراضي الشفاف كمطر السماء الذي لا لون له ولا طعم ولا رائحة، أما في المستقبل البعيد فلست أدري على أي حال أو صفة سيكون إيقاع الكلام.

ونأمل في ختام هذا الإدراج أن يكون بعض ما يعلق بالشبكة الافتراضية عبر مدونتنا المتواضعة (كلمات عابرة) من بعض أنواع الكلام الذي نرجو أن يعم نفعه ويقل ضرره على الناس.

Written by عبد اللطيف المصدق

يناير 5, 2010 at 10:25 م

أرسلت فى من وحي الإنترنت

وسوم الموضوع

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.